التقارير الأممية.. بين الواقع المؤلم والمستقبل المظلم .

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تحدثت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة (جينس بلاسخارت ) في الخامس من تشرين الاول 2022 أمام مجلس الأمن الدولي عن العراق واستعرضت العديد من الأحداث والوقائع التي شابها المشهد السياسي العراقي وأعطت صورة ميدانية للصراعات القائمة بين أحزاب السلطة والاختلافات بين السلطة التنفيذية والتشريعية في مجال معالجة الأزمات والاختناقات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها أبناء الشعب العراقي وانعكاساتها على مجمل الأحداث القائمة في البلاد والتي أصبحت تشكل كاهلا كبيرا يعاني منه المواطن ولا يجد منفذا رئيسيا أو معالجة حقيقية أو برنامج للإصلاح وإنما يزداد الواقع الميداني مأساة أكبر مع ضياع وتشتت في رسم ملامح المستقبل للأجيال القادمة وعدم وجود إمكانيات حقيقية ونوازع ذاتية وبرامج تطويرية لاستعادة الأوضاع وتحديد مديات التقدم والازدهار في حياة المواطن العراقي وانعدام الجدية التي يفترض أن تتمتع بها أحزاب السلطة في تحقيق الرفاهية والسعادة لأبناء الشعب العراقي ، وباعث هذا الحال هو العمل على تحقيق المصالح الفئوية وتعزيز المكانة السياسية للأحزاب وكيفية الاستمرار بإدارة البلاد حسب أهوائهم ورغباتهم وأهدافهم في الوصول إلى أقصى الغايات للحصول على المنافع المالية وتدعيم وجودهم في السلطة القائمة ببغداد بعيدا عن أمال وطموحات أبناء البلد .

وأوضحت أن الواقع السياسي والاقتصادي في العراق أسير التناقضات والعلاقات الجانبية القائمة بين الأحزاب المشاركة في العملية السياسية والطامحة لتحقيق مأربها ، لهذا تعمل الهيئات والتيارات التابعة لها على تحييد مواقفها والعمل ضمن سياق التوافقات السياسية والمصالح المشتركة التي أصبحت إحدى معالم التعامل اليومي في كيفية إدارة الحكومة وتنفيذ إرادتها وتسويق برامجها حسب الرؤية والأهداف التي تصبو إليها أحزاب السلطة ، وهنا يبقى الوضع القائم شائكا وتحيطه العديد من المشاكل والأزمات التي تحتاج إلى أفق واسع ورؤية ميدانية دقيقة وبرامج إصلاحية واسعة للبدء بعمليات مواجهة الفساد والمفسدين والسراق وناهبي المال العام .

ووضعت يدها على الحقيقة البارزة التي أصبحت أحدى سمات الحياة السياسية والاقتصادية في العراق بحديثها عن أوجه الفساد الذي يعد سببا رئيسيا في الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها أبناء الشعب العراقي وأن المفهوم الأممي لأي انتخابات قادمة يجب أن تحظى بضمانات دولية وهي بذلك تؤطر لصيغ من الخلافات والمعاملات بين أحزاب السلطة والكتل السياسية المنضوية في العملية السياسية التي أتى بها الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 والتي لم تتمكن من صياغة عمل سياسي ميداني واضح واختفت في تحقيق آمال وأهداف المواطن بسبب عدم وجود آليات واضحة لاتفاق سياسي ورؤية ميدانية لإدارة البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز المنظومة الاقتصادية بالعديد من آفاق التنمية الاجتماعية والبشرية ورفد المجتمع بالأعمال الكبيرة والمشاريع الضخمة والاستثمارات الميدانية التي تحقق الانتعاش الاقتصادي ورفع المستوى المناسب لأفراد الشعب العراقي.

أن المديات الواقعية والآفاق المستقبلية التي تضمنها تقرير ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة(بلاسخارت) أكدت على المفهوم السياسي في عدم قدرة الطبقة السياسية الحاكمة في العراق على المضي بتحقيق نتائج إيجابية وحملتها الإخفاقات والنتائج التي أليها أوضاع البلاد والتي سيكون لها أثرها الكبير على مستقبل وحياة المواطنين في جميع مرافق الحياة العامة.

إن الخلاف السياسي والتلاعب بالمفاهيم الواقعية التي يحتكم عليها الفرقاء السياسين ستصل بالعراق إلى مستقبل مظلم ونتائج وخيمةوانعدام لأي تغيير أو إصلاح جذري وتطوير نحو الأفضل كما جاء بقول المسؤولة الأممية( أنه خلال الأشهر الاثني عشر الماضية كان للشقاق ولعبة النفوذ السياسي الأولوية على حساب الشعور بالواجب المشترك وقد تركت الأطراف الفاعلة على امتداد الطبقة السياسية البلد في مأزق طويل الأمد ) .

وكانت واضحة في تفسير الحالات التي أثرت على السلم الأهلي خلال الأسابيع الماضية وحديثها عن الوسائل والأساليب التي تتبعها المليشيات المسلحة والتي تمتلك السلاح المنفلت بعيدا عن سلطة وهيمنة الحكومة العراقية لتحقق مزيدا من سفك الدماء وترويع المواطنين واستهداف أمن وسلامة المواطن وأن هذه الأدوات ستؤدي بالمجتمع العراقي إلى الكثير من الأزمات والمصاعب والفتن الأهلية المجتمعية، وهذا دليل واضح وقول صريح لعدم قدرة الحكومة العراقية على استخدام إمكانياتها في وقف التداعيات التي تسعى إليها بعض الأحزاب والكتل السياسية التي تمتلك مليشيات وفصائل مسلحة وأشارت إليها بالقول (لا يوجد أي مبرر للعنف والمخاطر ما تزال واقعية للغاية لوقوع مزيد من الفتنة وسفك الدماء ) .

أعطت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق صورة ميدانية عكست حقيقة وطبيعة المفهوم السياسي للأمن القومي والوطني العراقي بإشارتها إلى الاعتداءات المستمرة على الأراضي العراقية وتحديدا في إقليم كوردستان رغم التحذيرات السابقة التي تضمنتها التقارير الأممية والتي اعتبرتها أفعالا طائشة لا ينبغي لأي جار أن يتعامل مع العراق وكأنه باحته الخلفية ، وهذا توصيف دقيق للمشروع السياسي الإيراني الذي يتخذ من العراق مكانة للانطلاق نحو عواصم أقطار الوطن العربي لتعزيز هيمنتها ونفوذه السياسي و الأمني والاقتصادي ويدعم تدخلات في القرارات السياسية العديد من المدن العربية في بيروت ودمشق وصنعاء ، وهي بذلك أعطت رؤية سياسية ميدانية وآفاق التدخلات السافرة للنظام الإيراني في الشؤون الداخلية للبلاد واستمرار عدوانه الغاشم على الأراضي العراقية وتهديده للأمن والسلم المجتمعي.

وعند الحديث عن طبيعة المنظومة السياسية في البلاد أشارت(بلاسخارت) إلى عدم وجود الثقة المتبادلة بين أبناء الشعب العراقي والطبقة السياسية والأحزاب الحاكمة بسبب عدم مصداقيتها مع الشعب وابتعادها عن طموحاته المشروعة في حياة كريمة وتمسكها بغاياتها ومنافعها المادية والفئوية ووجود الفساد الاقتصادي والسياسي في هذه المنظومة التي نخرها الفساد المستشري وأصبح يشكل كاهلا ثقيلا على المواطن وخللا وظيفيا أعطته وصفا سياسيا بقولها (لا يمكن لأي زعيم أن يدعي انه محمي منه وإبقاء المنظومة كما هي سوف يرتد بنتائج سلبية ) موضحة أن الشعب العراقي أصبح أكثر وعيا وإدراكًا للاوضاع القائمة ببلده وايقن أن المصالح والمنافع الحزبية لأحزاب السلطة هي التي تتقدم على حياته ومستقبل أجياله، وأن السياسين العراقيين بهذه المواصفات والرؤى الميدانية والتصرفات والصراعات والخلافات بينهم سيجرون البلاد إلى صراع ممتد ومهلك وهي صورة محزنة لمستقبل مجهول لبلد يمتلك من الإمكانيات والثروات ما يجعله في مقدمة دول العالم المتطورة والمتقدمة .

لهذا فإن الحراك الشعبي والاحتجاجات الجماهيرية التي امتدت لثلاث سنوات مضت شملت مسيرة كبيرة في العمل الوطني وانعطافًا جوهريًا في حياة العراقيين وقدموا التضحيات الجسام وارتوت الأرض العراقية بدمائهم ولهذا فإن الوضع العام والأحداث القادمة ستشكل واقعا ميدانيا جديدا يمنح الكثير من التغييرات التي ستعرف بالمشهد السياسي العراقي.

Similar Posts