مترجم || حرب العراق: أبشع قصص المكر والخديعةAug 08, 2016

في 28 تموز 2002، كتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مذكرة إلى الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش حول العراق يقول فيها “سأكون معكم، مهما كان”، كتب بلير تلك الكلمات بطريقة صبيانية، وباتت تلك المذكرة تعهدا من بلير كان عليه الإيفاء به لشن حرب غير شرعية قادتها ادارة بوش ضد العراق عام 2003. ومع أن الحرب لم تكن الأمر الوحيد الذي أدى إلى تمزيق العراق؛ لإنه كان بلد أضعفته العقوبات الدولية والحصار المفروض عليه، إلا انها – أي الحرب – قد أودت بـ “الأهلية” التي كان يتحلى بها الغرب في عيون العالم. وقد تطلّب الأمر ست سنوات لإجراء تحقيق حول الحرب في بريطانيا، ولا يبدو أن هنالك نية أصلا لإجرائه في الولايات المتحدة.

 وأخيرا، وبعد كثير من المماطلة والتسويف، تم الإفراج عن تقرير تشيلكوت – المتكون من 2.6 مليون كلمة – للجميع. وهو يروي قصة المكر والخديعة الأولى في القرن الحالي. ولم يجر تحقيق مماثل في الولايات المتحدة، التحقيق الذي نحن بحاجة إليه أكثر بكثير من حاجتنا إلى تقرير تشيلكوت. وذلك لم يتم لأن كلا الحزبَين السياسيَين الرئيسَين، الجمهوري والديمقراطي، قد تضررا بسبب موقفهما الموحد من تلك الحرب. فقد كان بوش الصغير حينها هو الرئيس، ولكن مرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة الاوفر حظا، هيلاري كلينتون، قد صوتت لصالح الحرب في الكونغرس. ولا يزال الجدل في الولايات المتحدة قائما حول الفترة التي سبقت تلك الحرب، إلا أنه لا أحد من الحزبين يريد فتح تحقيق مماثل لتحقيق تشيلكوت.

 في الولايات المتحدة، قد وُضع النقاش حول العراق جانبا. لأن هيلاري كلينتون صوتت لصالح الحرب، والديمقراطيون لا يريدون أن يجعلوا من هذا الأمر قضية في الانتخابات الرئاسية. ومن جانبه فقد دعم دونالد ترامب، المرشح الجمهوري، الحرب في عام 2003. لكنه يقول الآن انه يعارض ذلك. إلا أن الحزب بكامله يتحمل مسؤولية تلك الحرب. وفي المناظرة الأولية، هاجم ترامب الحرب التي شنها بوش. لقد كانت تلك لحظة غير عادية. فقد كان الدور التالي على المنصة لـ شقيق بوش، وهو جيب بوش. الذي دافع عن أخيه، وعن حزبه أيضا. ومنذ ذلك الحين ألتزم ترامب جانب الصمت بشأن الحرب على العراق.

 وعلى الصعيد نفسه، لا توجد صحيفة امريكية كبيرة مستعدة لإجراء تحقيق خاص بها. والكل يعلم أن صحيفة نيويورك تايمز كانت متواطئة في تصعيد المخاوف من وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق؛ إلا إنه لم يتم التحقيق بشكل كامل بهذا الخصوص. فقد كانت مراسلة نيويورك تايمز، جوديث ميلر، تقوم روتينيا بإنتاج القصص التي تخدم أجندة الحكومة. ولم يتوفر هنالك التمحيص الواجب والمطلوب لمعرفة مصداقية ما كان يصدر عن إدارة بوش أو ما كانت تصرح به. وعندما خرجت تظاهرة مليونية رافضة لقرار شن الحرب على العراق جابت شوارع نيويورك، كان مستوى التغطية الإعلامية لتلك المظاهرة متدنيا جدا. ومن هنا نفهم ان تواطؤ وسائل الإعلام الأمريكية في تلك الفترة جعلها أقل استعدادا لاتخاذ موقف حازم لإجراء النسخة الأمريكية من تحقيق تشيلكوت في هذا الوقت.

 فترات زمنية طويلة

 إن احد القيود الجدية التي تحول دون إجراء تحقيق تشيلكوت بالنسخة الأمريكية هو أنه تناول مدد زمنية طويلة بدأت عام 2001. وهذا يعني منذ الفترة التي أرسلت فيها الولايات المتحدة من يجس نبض بريطانيا حول عمل مشترك ضد عراق صدام حسين. فقد أرسلت الولايات المتحدة وزير خارجيتها في ذلك الوقت، كولن بأول، حاملا مذكرة سرية من بوش تقول “بلير عليك أن تكون معنا إذا كان هنالك عمليات عسكرية ضرورية”. وقال باول لرئيس الوزراء البريطاني (للتحقق) أن الولايات المتحدة “مقتنعة بأن التهديد حقيقي” التهديد الذي يعنيه باول هو امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. وقد كانت الولايات المتحدة واضحة بعد ذلك حيث قالت “إن القضاء على صدام سيؤدي إلى نجاح أكبر لنا ولمصالحنا إقليميا”. وقد ضربت المملكة المتحدة والولايات المتحدة العراق عدة مرات في العقد الماضي. لذا فانهم لم ينتظروا عملا أو فعلا متعدد الأطراف ولم ينتظروا كذلك أدلة لا يرقى إليها الشك حيال امتلاك العراق هذه الأسلحة.

 في عام 1991، بعد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعدها سلسلة من القرارات لدفع العراق لنزع سلاحه. وعلى أساس هذه القرارات، قامت المملكة المتحدة والولايات المتحدة (و فرنسا معهم في بعض الأحيان) بتوجيه ضربات موجعة على أهداف عراقية. وقد كانت أكثر الضربات تأثيرا تلك التي شنتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة في ديسمبر كانون الاول عام 1998. وهذه العملية كانت تسمى عملية ثعلب الصحراء، ودمرت فيها مئات الأهداف العراقية على مدى أربعة أيام. وقد وقع الهجوم بعدما أصدر فريق الامم المتحدة المكلف بمراقبة نزع السلاح العراقي (اللجنة الخاصة) تقريره، الذي اشتكى من عدم تعاون العراقيين إلى أقصى حد. وفي الوقت الذي كان فيه مجلس الأمن يناقش تقرير اللجنة الخاصة، قامت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بقصف العراق. ولم ينتظروا استكمال مناقشة التقرير ولا حتى معرفة ما كشف عنه ذلك التقرير. هذا التصرف ازعج كلا من الصين وروسيا، اللتين كانتا تريدان أن يستكمل النقاش حول تقرير اللجنة الخاصة قبل اتخاذ أي إجراء. لكن كان هنالك تسرع واضح لدى واشنطن ولندن في تسعينيات القرن الماضي لاتخاذ إجراءات غير مبررة في هذا الصدد.

 لماذا تصفح التأريخ مهما لهذه القصة؟ لإنه وبمجرد نظرة خاطفة إلى الوراء (في تسعينيات القرن الماضي) ستُظهر لنا كيف تم بناء أوسع توافق سياسي بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للعمل المسلح ضد العراق. بالتأكيد، لعب كل من بوش وبلير دورا كبيرا في الخداع الذي أدى إلى تدمير نهائي للدولة العراقية. لكنه لم يكن ذلك ما فعله بوش وبلير فقط. فقد سبقهما في ذلك الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة (في عهد بل كلينتون) وحزب المحافظين في بريطانيا (في عهد جون ميجور) حيث كان الأخيران جزءً من الاندفاع إلى الحرب ضد العراق. ولكن كان تقرير تشيلكوت محدودا جدا في هكذا طرح. لأنه لم يكن لديه الرغبة في إدانة الطبقة السياسية برمتها. وظل تشيلكوت يشير باصبع الاتهام الى بلير، الذي سيجد صعوبة في الدفاع عن نفسه في ضوء المادة المفصلة الواردة في التقرير. وأما الساسة البريطانيون الآخرون فقد آثروا الاختباء وراء بلير. لانهم يرغبون بالبقاء في الظل.

 الاستخبارات الهوليوودية

 وبحلول عام 2002، كانت الحكومة الأمريكية قد بدأت تقول علنا بأن لديها أدلة قاطعة على أن العراق في عهد صدام حسين كان يمتلك أسلحة الدمار الشامل. وقد أطلع مسؤولو الاستخبارات الأمريكية نظراءهم البريطانيين بتلك الأدلة؛ لكنهم لم يكشفوا عن أن مصادرهم كانت قليلة، وان معظم تلك المصادر قد قالوا أمورا خيالية تحت وطأة التعذيب. وقال الجاسوس البريطاني السابق السير مارك ألين، الذي ترأس فرع مكافحة التجسس MI6 بعد 2003، مخبرا تشيلكوت، “في الواقع لم يكن لدينا سوى معلومات قليلة جدا وسطحية جدا حول العراق. لقد كان حالنا كأننا حيوانات صغيرة في غابة مظلمة وسط ريح قوية تلقي بنا هنا وهناك طوال الوقت “. وبسبب عدم وجود مصادر يعتمد عليها، اتخذ محللو الاستخبارات على جانبي المحيط الأطلسي من أفلام هوليوود ملجأ لخيالهم وأفكارهم. وكان هنالك فيلم بعنوان “الصخرة” THE ROCK – فيلم انتاج عام 1996 تناول قصة انقاذ اناس أبرياء من سجن الكاتراز القديم، الذين كانت تحتجزهم فيه مجموعة من الجنود الأشرار الذين هددوا أيضا بإطلاق صواريخ M55 مملوءة بغاز VX القاتل على سان فرانسيسكو إذا لم يتم دفع 100 مليون $ لهم – الذي اعتبر النسخة الهوليوودية لدور صدام الشرير. ويشير تشيلكوت كيف أثر هذا الفيلم بمخيلة محللي المخابرات من خلال فكرة أن “العبوات الزجاجية لم تستخدم عادة في الذخائر الكيميائية”. فقامت المخابرات الأمريكية باستخدام الشهادات المبنية على التعذيب والخيال الهوليوودي، بإبهار بعض مسؤولي جهاز المخابرات البريطاني؛ الذين شاركوا بدورهم بنشر الأكاذيب عن التهديد الذي يمثله العراق للسلام العالمي “.

 بعض الخيوط في تحقيق تشيلكوت تتجه نحو دور الولايات المتحدة؛ حيث يوجد تساؤلات عدة منها: من الجهة التي حاكت بعضا من هذه القصص الكاذبة؟ وما هو دور المخابرات الأمريكية، جنبا إلى جنب مع المخابرات الألمانية، في إيجاد احد المصادر الذي كان تطلق عليه وكالة الاستخبارات العسكرية الامريكية اسم كيرفبول (الأسم المستعار للمدعو رافد أحمد علوان الجنابي، ألماني الجنسية عراقي الأصل والمولد)؟ ومَن مِن بين محاميي الحكومة الامريكية أكد لـ الحكومة البريطانية في فبراير 2003 أنه ليس من الضروري وجود قرار جديد من الامم المتحدة لشن الحرب؟ حيث كانوا يحتمون وراء عملية ثعلب الصحراء عام 1998، الذي كانت على ما يبدو وجهة نظر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هو الرأي القائل بأن قرارات الامم المتحدة الصادرة في تسعينات القرن الماضي كانت كافية للعمل المسلح؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير لا يمكن الإجابة عليها في قصر وايت هول وسط لندن. ينبغي أن يكلف البيت الأبيض نفسه عناء الإجابة عن تلك الأسئلة. إن التقييم القضائي الحقيقي لـ الفترة التي سبقت حرب الولايات المتحدة – المملكة المتحدة على العراق يجب ان يتم في واشنطن العاصمة وهذا هو المكان الذي كانت المؤامرة تحاك فيه، وهو المكان الذي تكمن فيه الإجابات لهذه الأسئلة.

 الموقع: كاونتر بنش.

التأريخ: 29 تموز 2016.

الرابط:

http://www.counterpunch.org/2016/07/29/the-iraq-war-a-story-of-deceit/

Similar Posts