|

العشوائيات ظاهرة اجتماعية تهدد العراقيين

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعمل المؤسسات الحكومية والوزارات الخدمية على تقديم أفضل الوسائل والأدوات التي يحتاجها المواطنين والتي تمثل واجباتهم ومسؤولياتهم الاعتبارية تجاه أبناء شعبهم وتحقيق حالة من العدالة الاجتماعية والرفاهية العالية بتوفير مستلزمات العيش الكريم من سكن وخدمات تؤمن لهم ولأبنائهم أمنًا وراحةً واستقرارًا يجعلهم يشعرون بوجود حياة حرة وحاضر زاهر ومستقبل مشرق، وهذه الأولويات تساهم في تعزيز قدرة المواطن على العطاء والوفاء بواجباته في تقدم ورقي بلده عبر محطات الإعمار والبناء وإرساء دعائم البنى التحتية المجتمعية وتعزيز الدور الريادي للدولة في تحقيق التكافؤ وفرص العمل التي تعطي الإنسان مجالًا رحبًا في الإبداع وإتقان العمل وتعزيز روح التعاون بين أفراد المجتمع والتماسك والتآزر بينهم.

وتسعى البلدان المتقدمة بإعداد الخطط والبرامج التنموية التي تساهم في تحقيق أهداف وغايات الرقي المجتمعي وبناء صرح التقدم العلمي والإنساني عبر معالجة جميع الأزمات التي تعصف بالمجتمع وإيجاد الحلول الناجحة لها بما ينعكس إيجابيًا على مستقبل وحياة المواطنين، ومعلوم أن هناك العديد من الدول قد مرت بمنعطفات ألقت بظلالها على طبيعة الحالة الاجتماعية لأبناء البلد ورسمت ملامح جديدة لهم في كيفية التغلب على مسارات التغيير الحاصل نتيجة الارهاصات والمكابدات التي مرت بهم.

ولكن هناك البلدان التي لا تعلم كيفية إدارة أعمال الدولة وتحقيق مستلزمات التصحيح في هيكلية المؤسسات الحكومية التابعة لها وعدم إيجاد مفاعيل حقيقية لمواجهة أي أزمات اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية تمر بها، وفي هذا المعطف من الممكن أن يعاني المواطن من عملية ضياع حقوقه ومغادرة اماكنه وترك داره وحاجياته وما يمتلكه من موارد مالية أو حاجيات عينية، وهو ما يجعله يبحث عن أي منطقة وقطعة أرض تأويه وعائلته وتحفظ له كرامته ووجوده، عندما لا تستطيع حكومة بلده تقديم العون له وتعويضه نتيجة الأزمات والحروب التي مرت على البلاد وأثرت على حياة المواطن.

وهنا تبرز مشكلة اجتماعية كبيرة هي وجود (العشوائيات) التي تشكل ظاهرة خطيرة تهدد الأمن المجتمعي وتنعكس سلبًا على حياة المواطن والتي تفرضها الظروف التي أشرنا إليها، ويمكن الاستدلال على المعنى الحقيقي ومفهوم المنطقة العشوائية التي هي عبارة عن ( منطقة سكنية غير منظمة بنيت في الغالب بدون ترخيص وتفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة كالماء الصالح للشرب والكهرباء وغيرها من اساسيات العيش).

وتمثل في وجودها صورة السلبيات المنتشرة في الأحياء العشوائية بافتقارها أولويات مرافق الصرف الصحي ومصادر المياه النقية، ومما يزيد الوضع سوءًا هو عدم وجود أنظمة لجمع النفايات، وعدم توافر أنظمة لتمديد الكهرباء وتعبيد الطرق وممرات المشاة وإنارة الشوارع، وغيرها من ضروريات الحياة الأساسية.

إن وجود وبناء العشوائيات لا تتوافق مع طبيعة المجتمعات المتمدنة حيث البناء لا تتماشى مع النسيج العمراني للمجتمعات التي تنمو بداخلها أو حولها ومتعارضة مع الاتجاهات الطبيعية للنمو والامتداد وهي مخالفة للقوانين المنظمة للعمران، وبالتالي فهي قد تكون عبارة عن أكواخ بُنيت من الخشب أو الصفيح أو الطين وأحيانًا باستخدام الأقمشة البالية والكرتون وينتشر هذا النوع في العديد من بلدان العالم الثالث حيث يأخذ شكل تجمعات متلاصقة ومتباينة.

ويلجأ الأفراد لهذا النوع من الإسكان بصفة مؤقتة أو دائمة نتيجة لعدة أسباب منها الحروب الأهلية أو الدولية التي ينتج عنها تدمير لبعض المناطق الأهلة بالسكان، وكذلك الكوارث الطبيعية فالذين تهدمت بيوتهم ولا يجدون لأنفسهم مأوى آخر سواء كان ذلك نتيجة التهديم والتحطيم بفعل العمليات العسكرية أو الصراعات السياسية والطائفية أو بعض الكوارث الطبيعية مثل السيول والزلازل والأعاصير فيلجؤون إلى المناطق العشوائية.

تشير التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن هناك أكثر من 1.8 مليار شخص يعيشون في مناطق عشوائية ومساكن غير لائقة تفتقد للخدمات الأساسية مثل المياه وخدمات الصرف الصحي والكهرباء، كما أن معظمهم يواجهون تهديدًا بالإجلاء القسري والتشرد، وعربيًا فإن الوضع لا يقل مأساوية، فالملايين يعيشون في الهوامش عبر بيئات تفتقد لأبسط حالات البقاء على قيد الحياة.

وأمام هذه الأوضاع المأساوية فقد اهتمت منظمة الأمم المتحدة بأحوال المواطنين وضرورة توفير السكن اللائق بهم وتقديم جميع أشكال العون والمساعدة في أي أزمة وظرف تمر به الدولة، وهو ما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948 في مادته (25)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966 في مادته الحادية عشر بالاعتراف رسميًا بالسكن اللائق كعنصر أساسي من عناصر الحق في مستوى معيشي مناسب، ويُلزم هذا الاعتراف الدول الموقعة على هذه الاتفاقيات بضرورة توفير السكن اللائق لمواطنيها، كما أكدت لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أن الحق في السكن اللائق لا ينبغي أن يفسر تفسيرًا ضيقًا، بل ينبغي النظر إليه على أنه الحق في العيش في مكان معين بأمان وسلام وكرامة.

وإذا ما نظرنا إلى الواقع الاجتماعي المعاشي في العراق والظروف التي مر بها نتيجة الغزو والاحتلال الأمريكي البريطاني للبلاد، فإننا نكون أمام مشهد مأساوي وأوضاع ميدانية صعبة وصور من الظلم الاجتماعي الذي عانى منه المواطن العراقي، فتعاظمت ظاهرة العشوائيات نتيجة ضعف الحكومات المتعاقبة بعد سنة 2003 وتفشي الفقر والبطالة والفساد والهجرات من الريف للمدينة مع غياب التخطيط من قبل الوزارات والمؤسسات المعنية، وأصبحت العشوائيات تمثل مرتعًا ومسرحًا للجريمة وغياب القانون وتجارة المخدرات والممنوعات، وأصبح من الصعوبة السيطرة عليها دون إجراءات وقائية ومعالجات ميدانية شاملة، كما أنها شكلت تهديدًا لأمن وسلامة المدن العراقية واستقرارها الاجتماعي.

وأظهرت نتائج إحصاءات التخطيط حول العشوائيات في العراق، أن محافظة بغداد الأعلى من ناحية التجمعات العشوائية بأكثر من 1000 تجمع سكاني، والتي تشكل نسبة 23% من مجموعها في العراق والبالغة 4679 تجمعًا، تليها محافظة البصرة بواقع 715 تجمعًا، ومحافظة النجف والبالغة عددها فيها 89 تجمعًا عشوائيًا.

وفي آخر احصائية لوزارة الاعمار العراقية أشارت فيها الى وجود أكثر من 1552 تجمعًا للسكن العشوائي يسكنها 3.5 ـ 4 ملايين مواطن يسكنون في 346881 ألف منزل

وأن نسبة سكن التجاوز على الأملاك الحكومية 98 ٪ و2٪ على الأملاك الخاصة.

هذه الإحصائيات والبيانات تتعلق ببلد نفطي ذات عوائد مالية عالية وموارد اقتصادية كبيرة ويمتلك ثاني احتياط للنفط بوجود (159) مليار برميل لديه ويعتبر رابع بلد في تصدير الطاقة للعالم ويمتلك ثروات طبيعية عديدة وتبلغ إيراداته السنوية (100) مليار دولار نتيجة تصدير الطاقة، يعيش بعض من أبنائه ومواطنيه في عشوائيات ومدن صفيح نتيجة ضعف التخطيط العلمي والجدي الذي أن وجد لأمكن من إسعاف هؤلاء العوائل والأفراد وأخرجهم من بؤر التخلف والظلم والحاجة المادية.

ويعاني العراق نقصًا حادًا في قطاع السكن مع ارتفاع في أسعار مستلزمات المعيشة وارتفاع اسعار الوحدات السكنية، فضلا عن عدم توفر الخدمات المطلوبة للأراضي السكنية الموزعة من قبل الحكومة التي تركن جانبا لعدة سنوات بانتظار أن يتم شمولها بالخدمات.

حيث أن هذه المجمعات العشوائية غير المنتظمة تولد بكل تأكيد بيئات وأرض خصبة للجريمة والفساد، وضرورة الاهتمام بهذه الشريحة الاجتماعية وإيجاد الحلول الجذرية لتحسين أوضاعها واعتبارها من المشاكل الوطنية التي تهدد حياة المجتمع.

Similar Posts