المخدرات… منحدر خطير في المجتمع العراقي

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

أثناء قراءتي للأحداث لفت انتباهي أخي القارئ الكريم تصريح لوزير الصحة صالح الحسناوي في الثامن من كانون الأول 2023 يعلن فيه ( إتلاف 8 أطنان من المخدرات و 58 مليون قرص مخدر خلال عام)،ورأيت في هذا التصريح آثارا اجتماعية خطيرة تستهدف القيم والأخلاق التي يتصف بها المجتمع العراقي والتي أراها إحدى النتائج الوخيمة التي حصلت جراء الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان سنه 2003 وسعت إلى إضعاف التماسك الاجتماعي والعمل على الإضرار الكبير بحياة المواطنين ومنهم شريحة الشباب أداة التغيير والإصلاح.

والمخدرات هي مجموعة من المواد التي تسبب الإدمان وتسمم الجهاز العصبي، ويطلق لفظ (مخدر) على ما يُذهب العقل ويغيبه، لاحتوائه على مواد كيميائية تؤدي إلى النعاس والنوم أو غياب الوعي، وهي كل مادة طبيعية أو مستحضرة في المعامل من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبيـــــــة أو( الصناعية الموجهة ) أن تؤدي إلى فقدان كلي أو جزئي للإدراك بصفة مؤقتة ، وهذا الفقدان الكلي أو الجزئي تكون درجته بحسب نوع المخدر وبحسب الكمية المتعاطاة، كما يؤدي الاعتياد أو الإدمان بالشكل الذي يضر بالصحة الجسمية والنفسية والاجتماعية للفرد .

وتعرف منظمة الصحة العالمية المخدرات كالتالي ” هي كل مادة خام أو مستحضرة أو تخليقية تحتوي عناصر منومة أو مسكنة أو مفترة من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبية أن تؤدي إلى حالة من التعود أو الإدمان مسببة الضرر النفسي أو الجسماني للفرد والمجتمع “

وآثار المخدرات السيئة والكارثية على كافة المستويات هي التي تمتد من الفرد إلى الأسرة ومن ثم للمجتمع، وبدوره سينعكس بشكل سلبي على الاقتصاد لأنها تحد من قدرة الفرد على الانتاج والتنمية، وتهدد القيم المجتمعية السائدة فيها وتحوله إلى مجتمع مفكك سهل القضاء عليه من قبل أعداءه، لذلك يمكن القول إن ظاهرة المخدرات لا تؤثر على الفرد المدمن فقط بل تنزح أثاره إلى أسرته ومجتمعه.

وعلى مستوى الآثار الصحية للمخدرات، فقد تؤدي المخدرات إلى إصابة خلايا المخ بالضمور والتقلص واضطرابات في القلب، ويحد من قدرة الفرد على التفكير والتحكم بإرادته إلى جانب الأعراض الأخرى كالنحافة والهزل وضعف التفكير والنظر وتلف الجهاز الهضمي والضعف الجسماني واضطراب الإدراك الحسي ونقص المناعة مما يجعل جسم الإنسان قابل لكثير من الأمراض التي تؤثر على أجهزة الجسم الأخرى خاصة الجهاز العصبي والجهاز التنفسي والكبد التي تدفع المدمن إلى القيام بأفعال لا يقبلها المجتمع ويجرمها القانون، كما أن الجرعات التي تعطى عن طريق الإبر من شخص لآخر تؤدي إلى نقل مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) وبدوره يؤدي للوفاة، كما تحدث المدمن العديد من المشاكل في المدرسة أو العمل ومنها ظاهرة تكرار الغياب عن المدرسة أو العمل والعزوف المفاجئ عن الأنشطة المدرسية أو العمل أو انخفاض الدرجات أو الأداء في العمل، مع إصابات واضحة ومشاكل في الصحة البدنية، منها قلة النشاط والهمة وفقدان الوزن و احمرار العين

وإهمال المظهر وعدم الاهتمام بالملابس أو التأنق أو العناية بالمظهر مع إصابته بتغيرات سلوكية بمنع أفراد الأسرة من دخول غرفته أو عدم إخبارهم بمكان ذهابه مع الأصدقاء أو التغييرات الكبيرة في السلوك والعلاقات مع الأسرة والأصدقاء يصاحبها مشكلات مالية طلب متزايد على الأموال بصورة مفاجئة دون تبرير مقبول أو اكتشاف ضياع الأموال أو سرقتها أو اختفاء أشياء من المنزل، مما قد يدل على بيعها من أجل شراء المخدرات.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ظاهرة انتشار تعاطي وتجارة المخدرات في العراق فعلينا ان نعلم انها تؤشر حقيقة مؤلمة تتمثل في عملية ارتفاع وتفاقم خطر انتشار وتداول المخدرات ومعدلات التعاطي والادمان بين شرائح المجتمع العراقي والمتاجرة بها عبر شبكات ودوائر عديدة وبشخوص متنفذة ترتبط بشخصيات وأحزاب سياسية ومليشيات مسلحة متنفذة في المشهد العام داخل العراق وهي من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية بسبب اتساع المشاكل والأزمات الأمنية والاقتصادية وسطوة المليشيات وحيازتها للأسلحة وتمتعها بالنفوذ السياسي وتأثيرها على الواقع الأمني وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الامريكي على مواجهتها والتصدي لها، خاصة بعد أن أصبح العراق سوقا رائجا لمختلف أنواع المخدرات ولم يعد ممرا فقط لنقل المواد المخدرة وتهريبها عبر الحدود المشتركة إلى بلدان عربية مجاورة بواسطة ثلة من المتعاونين والوسطاء والتجار الذين يمتلكون علاقات واسعة مع سياسيين متنفذين وشخصيات خارج العراق لديها السطوة والنفوذ ما يجعلها تستخدم قوتها وتأثيرها في المتاجرة استهداف المجتمع وتحقيق الأرباح المالية الكبيرة على حساب حياة المواطنين

كل هذا يشكل انعكاسا خطيرا لطبيعة الأحداث التي رافقت وعكست نتائج احتلال العراق، وهذا ما حصل للعراق عند اجتياح القوات الأمريكية وغزوها واحتلالها البلاد في التاسع من نيسان 2003 التي كانت البداية للعديد من الأزمات المجتمعية في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأثرت بشكل فعال وميداني على طبيعة وسلوك المجتمع العراقي وأفرزت العديد من المظاهر الغريبة على تصرفات أبناء الشعب العراقي وأوجدت الوسائل والأدوات التي تحقق لها أهدافها ومراحل سياستها العدوانية والتسلطية والمنفعية بتكبيل البلاد بأزمات اجتماعية أصبحت ظاهرة يعاني منها المواطن وتؤرق وضعه النفسي والانساني وكانت من أكثرها فتكا وتأثيرا في حياة المواطنين هي مشكلة انتشار المخدرات وتعاطيها والمتاجرة بها داخل الأراضي العراقية ووصلت إلى نسب وحدود عالية مهددة بنيان المجتمع وقيمه وأخلاقه، وتعتبر نتيجة حتمية وسياسة واقعية للتوجهات العدوانية للمحتل الأمريكي الذي سبب انفلاتا أمنيا وخرابا اقتصاديا وضعفا في المواجهة الميدانية للعديد من المشاكل التي تواجه الشعب العراقي ومنها عملية عدم السيطرة على حركة وانضباط الحدود العراقية مع الدول المجاورة له وتحديدا إيران، ولهذا نلمس ونرى حجم المتاجرة بالمخدرات عبر الحدود العراقية الإيرانية وأصبحت ظاهرة بل أزمة أخلاقية يعاني منها المجتمع العراقي وخاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية ومدينة بغداد وأخذت تهدده في بنيانه وحياته وقيمه والتزاماته الدينية والاجتماعية.

كشف وزير الداخلية العراقي أن المخدرات تأتي من إيران وسوريا بشبكات مرتبطة ببعضها.

إن الأوضاع المأساوية التي يمر بها العراق والضائقة الاقتصادية وظاهرة الفقر والبطالة هي عوامل رئيسية لانتشار المواد المخدرة في العراق، إذ تشير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى أن هناك 4 ملايين عاطل عن العمل في العراق، بينما تؤكد وزارة التخطيط أن 14% من الشباب العراقي عاطلون عن العمل ولا يملكون أي مصدر للدخل.

وتنتشر المخدرات وتباع في المناطق الفقيرة في بغداد ومحافظات العراق الأخرى وفي المناطق التي تعاني نسب بطالة وعوز عالية، فقد وصلت نسبة العاطلين وحسب ما أعلنته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى 4 مليون عاطل وأكدته وزارة التخطيط بوجود 14٪ من الشباب العاطل في العراق.

العراق أصبح بلدا ليس لمرور المخدرات وإنما لصنعها والترويج لها وتعاطيها بعد أن كان الكريستال والحشيش يهربان للعراق من أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية وحبوب الكبتاغون من قبرص عبر سوريا.

تبقى عملية انتشار ومتعاطي المخدرات في العراق من أكبر الأخطار التي تهدد سلامة المجتمع وحياة الأفراد وخاصة الشباب وتشكل خطراً يهدد الأمن والسلم المجتمعي بعد ازدياد ملحوظ في عمليات المتاجرة والتداول.

Similar Posts