مواقف الرجال ومعادن الناس
الناقد أدهم الشبيب
الناس معادن والرجال مواقف، وما في صدر الرجل وقلبه لا يقيم بما يقول ويفعل في أيام الرخاء والترف، والمبدأ ليس كالهواية والصنعة.
ومن أمثلة ذلك ما لمسته من نموذج اعجبني هو شاعر مصري حاضر تناولته يوما في دراسة نقدية مقارنة موسعة عن شعر الغزل أو المدرسة الرومانسية العربية وكان هو في بحثي ممثلا للعصر الحديث مقابل شعراء العصور السابقة له ، “وإن كانت الدراسة قد سحبت من قبلي بعد النشر لأسباب فنية”.
هذا الرجل لو قلبت صفحة حسابه قبل أحداث غزة وعلى مدى سنتين لوجدته لا ينشر إلا غزلا -يكون في أحيان متماديا – في النساء ومشفوعا بصور لممثلات أو تراه ينشر حلقات وقصصا عن الأغاني والفنانين وكل ما حول ذلك وما يشابهه، وفي أهدأ الأيام تراه يتمازح حول هذا أو ذاك من أسماء الفن أو الأدب، فتحكم عليه تماما وباطمئنان ومن خلال كل هذا أنه لا يعنيه من أمر الأمة شرقت أو غربت.
ولكن أحداث غزة أحدثت صدمة لي -ولا أدري عن بقية متابعيه- فصار كلما ظهر منشور له وجدته غاضبا أو داعيا أو حزينا أو مستنهضا أو حانقا على الحكام أو نائحا على فلسطين أو ناقما على العرب الصامتين، ولم يعد إلى ما كان عليه ولم تذق منشوراته طعم الابتسامة أو مسحة المرح أو شعر الغزل من يومها إلى هذا اليوم ، وكأنه فجع بفلذة كبده.
تستوقفني مواقف رجال كهؤلاء تظن أن دوحة الشعر قد خلت منهم أو ساحة الفن، ولكن الناس معادن والرجال مواقف، ولا يزال في هذه الأرض العربية الكريمة رجال.
كلمة للرجال الشهداء
خسارة هذه الرجال الجحاجيح، وفجيعة فقدان هؤلاء الأبطال الصناديد.
هذه الوجوه النيرة المستبشرة فخر العرب والمسلمين وعزنا وشعارنا ومحو عارنا.
خسارة أن يغيب هؤلاء التراب، ويرحلون في عز الشباب ويبقى العملاء والأذناب.
لا أبصرت عيون نسائنا إذ نظرت إلى المخنثين واختارت المنسلخين وانغرت بكلمات المتزينين وتسامرت مع العابثين وقبلت بالمتحولين، وعميت عن مثل هؤلاء الشجعان البررة الطاهرين.
إن العين لتبكيكم وليس لها سوى البكاء، وإن الألم يناجي ملائكة السماء، وإن القلب يهفو إلى ربكم بالتضرع والدعاء.
يا من تركتم الدنيا وبهرجها ونحن لاهون، وأيقظتم الدنيا بصواريخكم ونحن نائمون، وهجرتم الأمن والراحة ونحن غارقون.
هنيئا لكم بما وفقكم الله إليه، وفخرا وعزا ومجدا بما أنتم عليه، وحسرة وخزيا لنا ولحكامنا ولأموالنا ولكل منقاد لعدوه بيديه، فلكم جنات ربكم ورضاه يا من جمعتم العز من أطرافه وحزتم المجد من جانبيه.