الموازنة بين المقيم لها ومنكرها

بقلم : د. محمد الحاج عيسى

في هذه الأيام كثر الطعن والغمز والتهكم والسب والتبديع في حق أهل العلم والدعوة والفضل والصلاح من جهات متعددة في اتجاهات مختلفة؛ فمن أجل خطأ أو أخطاء تجد من الأصاغر من يتطاول على من هو أكبر منه علما وأكثر فضلا، فيجرده من العلم أو من السنة ومن الصلاح والفضل، وهذا إذا صدر من عالم يقال له قد جانبت الإنصاف، أما إذا صدر من غيره فيقال له هذا ظلم وجهل، واهدار الحسنات والفضل لمجرد زلات معدودات –إن كانت فعلا زلات- هو منهج الوعيدية من الخوارج والمعتزلة منكري الموازنة بين الحسنات والسيئات ومنكري وضع الميزان يوم القيامة، وليعلم كل موحد أن الموازنة هي ثمرة العقيدة الصحيحة وعلامة العدل المأمور به في حق الناس، وإن حكم المخطئ في تطبيقها في آحاد المسائل يختلف عن حكم المخالف فيها أصلا، فإن الأول قد زل ولا أحد يسلم من الزلل، وأما الثاني فمخالف في أمر اعتقادي ومنهجي قطعي، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :«فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة، فهو مخطئ ضال مبتدع، ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا فهو مخطئ ضال مبتدع»(1) وكلامه –وأيضا كلامي- لا يختص بفرد أو طائفة بل هو عام لكل من ينطبق عليه.

وفي السياق نفسه ننقل هذه الكلمة للشيخ العثيمين سبق أن نقلتها في كتابي الرد النفيس على الطاعن في العلامة ابن باديس تحت عنوان “حكم من لم يقل بالموازنة” قال رحمه الله :» لكننا نقول كل إنسان له قدم صدق في الأمة الإسلامية من أول الأمة إلى آخرها ، لا شك أنه يحمد على ما قام به من الخير، وثانيا نقول كل إنسان مهما بلغ من العلم والتقوى فإنه لا يخلو من زلل سببه إما الجهل أو الغفلة أو غير ذلك، لكن المنصف كما قال ابن رجب رحمه الله في خطبة كتابه القواعد :» المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه«، ولا أحد يأخذ الزلات ويغفل عن الحسنات إلا كان شبيها بالنساء، فإن المرأة إذا أحسنت إليها الدهر كله ، ثم رأت منك سيئة قالت : لم أر خيرا قط . ولا أحد من الرجال يحب أن يكون بهذه المثابة أي مثابة الأنثى يأخذ الزلة الواحدة وينسى ويغفل عن الحسنات الكثيرة … لكن عندما نريد أن نقوم الشخص يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ لأن هذا هو ميزان العدل»(2). وقال الشيخ الفوزان أيضا :”فيجب أن نعرف قدر علمائنا –سلفا وخلفا – وأن نترحم عليهم وأن ندعو الله لهم كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ (الحشر10)، وهذه صفة أهل الإيمان لأنهم لا يتلمسون العيوب والعثرات ، أما غيرهم فيتبعون العيوب والعثرات وينشرونها وهذه هي البدعة”(3)

الموازنة في الحكم بالسنة والبدعة

من نصوص العلماء في وجوب الموازنة في الحكم بالسنة والبدعة (الذهبي إمام الجرح والتعديل السلفي )

1-قال الذهبي رحمه الله:« ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زللـه ، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه » السير (5 /271)

2-وقال :« ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ، ولا من هو أكبر منهما ، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين » السير (14 /40)

3-وقال:« والكمال عزيز وإنما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة ولعله رجع عنها، وقد يغفر له باستفراغه الوسع في طلب الحق » السير (16 /285)

4-وقال:« نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع ونحب السنة وأهلها ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ وإنما العبرة بكثرة المحاسن» السير (20 /45-46)

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/15)

(2) لقاء الباب المفتوح الشريط رقم 111 الوجه الأول وراجع أيضا الشريط رقم 127 الوجه الثاني،

(3)محاضرات في العقيدة والدعوة (2/367-368)

Similar Posts