الحرية الفكرية وصندوق الانتخابات … خالد إسماعيل

مقال خاص بجريدة البصائر

مازال العراقيون يسألون ويدورون في حلقات أتعبتهم، وهم يسمعون ويقرأون ويشاهدون من يدعوهم للانتخابات ومن يدعوهم لمقاطعتها، والفريق الأول يجعل عدم المشاركة في الانتخابات مشاركة في إبقاء الفاسدين ومشاركتهم فسادهم، وكأن العراق لم يبقَ فيه إلا (الفساد) وقد تم حل كل مشاكله الأخرى التي كلنا نعلمها ونعيشها.

والفريق الثاني يدعوهم لمقاطعة الانتخابات ويعد المشاركة فيها لن تأتي بجديد وسيبقى الفاسدون في الحكم لأنهم المتحكمون وهم المرشحون، وإن كان هناك مرشحون جدد فهم تبع لكتل وأحزاب وتحالفات الفاسدين.

ولسان حال العراقيين يردد المثل الدارج (بين حانة ومانة ضاعت لحانا)، فأين الطريق ومع من نسير ومن نسمع وما هو الصحيح كي نعمله؟

وهنا نقف لنقول بكل صراحة إننا نعيش في سجن فكري أتعبنا وكبّلنا وأرجعنا كثيرًا بعيدًا عن مصاف الأمم والشعوب، ولِمَ لا نجرب الحرية الفكرية؛ كجزء من الحل وللخروج من الحيرة التي نعيشها في موضوع الانتخابات القادمة، والطريقة بسيطة ولن تؤثر على أحد فهي تجربة شخصية بحتة؛ لنضع كل أفكارنا وانتماءاتنا ومذاهبنا ومراجعنا وتجاربنا في صندوق ونقفله (معنويًا) ونضعه جانبًا، ثم نبدأ لنفكر خارج هذا الصندوق متحررين من كل الضغوطات والإملاءات والتأثيرات، ولنجرّب تفكير الأطفال الذين للتو بدأوا اكتشاف العالم من حولهم وما زالوا يحدّثون قاعدة المعلومات في عقولهم ويضيفون يوميًا شيئًا جديدًا عليها.

ولنسأل هؤلاء الأطفال كيف ستكون ردة فعلهم وإجاباتهم على وضع الطفل المشاكس الذي يضربهم ويسرق طعامهم ويكسّر ألعابهم وبيوتهم البلاستيكية، ثم نطلب منهم اختياره ليكون مشرفًا ومسؤولًا عليهم يتحكّم بهم؟؟

بالتأكيد سيجيبون بكل حرية وعفوية من خلال تجربتهم ومشاهدتهم لهذا الطفل المشاكس بـ (لا) لن نرضى بذلك الفعل، وسيتمردون ويجمعون أن هذا الوضع لن يكون، وقد يضطرون للاتفاق على طرق غير تقليدية لتغيير القناعات.

والآن لنجرّب نحن التفكير بكل حرية على المستوى الشخصي ولنعرض قضية الانتخابات والمرشحين والكتل الانتخابية والتحالفات والأحزاب ثم نقرر ما سنفعل بكل حرية، عندها سنشعر براحة داخل أنفسنا أن هذا اجتهادنا وما هدانا الله إليه دون تأثير أو تدخل من أحد ولسان حال كل واحد منّا: الله من وراء قصدي واجتهادي.

وبهذا نكون قد عبرنا قنطرة كبيرة شغلتنا وعشنا فيها وعليها لعقد ونصف تقريبًا تتجاذبنا النعرات الطائفية والإثنية والقبلية وإغراءات المال والسلطة والجاه، وبذلك نكون قد اكتشفنا كياننا كإنسان عراقي عاقل مفكّر مستقل على المستوى الفردي، وكمجتمع عراقي واعٍ ومفكّر لا يؤثّر فيه أصحاب المصالح بسهولة ولا يسوقوه إلى مخططاتهم.

Similar Posts