البابا لم يتبرأ من الحرب على العراق
بقلم : د. أيمن العاني
“غدًا سأتوجّه إلى العراق في (رحلة حج) لمدة ثلاثة أيام”.. بهذه الكلمات استبق بابا الفاتيكان زيارته إلى العراق ما بعد الغزو الأمريكي والهيمنة الإيرانية التي أعقبته، البلد المحتل الذي ضاعت منه هيبة الدولة، والبلد الذي فقد ما كان يشتهر به من التنوع الديني والقومي والإثني والمذهبي والذي كان قبل غزوه واحتلاله إنموذجًا لتعايش الأديان والمكونات كافة. من المؤكد أنه سمع عن التقارير الدولية التي تتحدث بأن العراق أسوأ بلد للعيش في العالم، ولاسيّما بالنسبة للمرأة والطفل، وأنه يعلم ما أصاب العراقيين -والمسيحيون منهم- في ظل حالة الفوضى التي جاء بها الاحتلال وشريعة الغاب وإطلاق يد الميليشيات بالتزامن مع غياب ممنهج لسيادة القانون وفقدان القضاء حياده واستقلاليته، وأن العراق البلد الذي يحوي أكبر عدد من المختفين قسريًا في العالم، والبلد الذي ما يزال فيه المدنيون والفئات المجتمعية الضعيفة أول ضحايا موجات العنف التي تعصف به منذ 2003، الذين يعانون من شظف العيش والقتل والخطف والتهجير وارتفاع معدلات الفقر بشكل ملحوظ.وهو البلد الذي يكون فيه ثمن “تحرير” المدن تدميرها وتحويل مساكنها إلى مقابر تحوي جثث أهلها، إلى جانب أنه البلد الذي لا مكان فيه لغير الفاسدين وأنه ضمن البلدان الأكثر فسادًا والأعلى بمستويات نهب المال العام وتحويله إلى الخارج، والبلد الأخطر على الصحفيين والإعلاميين، والبلد الذي تدهورت فيه الأوضاع التعليمية والتربوية إلى مستويات لا توصف وارتفعت فيه نسبة الأمية إلى معدلات صادمة بعد أن كان البلد الذي يمتلك أفضل منظومة تعليمية في المنطقة الذي تنعدم فيه الأمية، والبلد الذي حكوماته المتعاقبة لا تحترم القوانين والاتفاقيات والمواثيق الدولية، وأنت أيها البابا تعرف سبب كل ذلك بالتأكيد؛ فلا ندري هل جئت لتبارك ما جاءت به الحرب التي تسببت بهذا الانحدار الرهيب على الصعد كافة؟وعلى الرغم من الفرصة التاريخية التي أتيحت لك؛ لماذا لم تتبرأ من الحرب التي شنها التحالف الدولي بقيادة واشنطن والتي كانت السبب في كل الدمار والخراب والمآسي التي حلّت بالعراق، وقد رأيت بأم عينك جانبًا منها؟ لماذا لم تنحز إلى عشرات الملايين من المقهورين والمعذبين والمشردين في العراق؟ لماذا لم تصرح بأن ما حصل في العراق من جرّاء الحرب الصليبية التي أعلن عنها بوش الابن لا يمثل الصليب؟ لماذا لم تستنكر ما فعلته القوات الغازية وحلفاؤها وأذنابها بالعراق وأهله؟! أم جاءت هذه الزيارة في إطار إعطاء الشرعية للسياسات المسببة للحروب والدمار والخراب في العالم؟!ولنتكلم عن “حجك” إلى مدينة أور في محافظة ذي قار جنوبي العراق؛ من المؤكد أنك لم تزر مركز المحافظة وهي مدينة الناصرية ولم تسأل عن أحوال أبنائها المتظاهرين والناشطين الذين يقتلون ويذبحون لأنهم خرجوا للمطالبة بأبسط حقوقهم الإنسانية، ولم تتفقد المدينة لتشاهد ما وصل إليه سكانها من تخلف وفقر مدقع؟ لكنك جئت “حاجًا” إلى مدينة لا ذكر لها في الإنجيل بل تعدّ هدفًا تاريخيًا للصهاينة، لتمهد بذلك –قصدت أم لم تقصد- ما اسميته بـ”الديانة الابراهيمية” التي تعرف أنت قبل غيرك أنها ديانة لا أصل لها ولا وجود؛ وأنت تعلم بأن إبراهيم لم يرجع إلى أور ولم يأمر ذريته أن ترجع إليها بل وضع ذريته إسماعيل وأمه هاجر في مكة كما يعرف الجميع؟ ولا يزال مقام إبراهيم في مكة المكرمة شاهدًا على ذلك؛ فهل جئت لتدشن بهذه الزيارة عهدًا للتطبيع مع الصهاينة الذين يحتلون الأرض المقدسة في فلسطين؟! وإلا فماذا يعني أن تحج إلى مدينة أور بعد كل هذه الحقائق؟! أم أنها مقدمة لما ذُكر في التوراة المحرفة من أسرار رهيبة مما يُعدّونه للعراق، ومن مصير حالك للعراق يسعى الصهاينة جاهدين لتحقيقه؟! أم أن هناك أسرارًا أخرى؟!!