تنبيه العبد الأوّاه إلى قوله تعالى :((صَالِحًا تَرْضَاهُ)) ومعه جلاءُ العينيْن في تبيان معنى “قُرَّة العين”
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام في سورة النمل الآية 19 :((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ))
نقطة البحث قوله عليه السلام:((صَالِحًا تَرْضَاهُ))
فهل هناك عمل صالح لا يرضاه اللَّهُ تعالى؟!
الجواب نعم
وهذا الجواب مبني على مُقَدِّمات:
الأولى: أصلها هو اعتقاد المرء بالعمل أنه صالح وهو عند اللَّهِ تعالى ليس كذلك، لأنَّ العمل الصالح المرضيَّ عند اللَّهِ هو العمل الذي شرَّعه اللَّهُ وارتضاه ديناً ومنهجاً، فإذا عمل المرء عملا لم يشرعه اللَّهُ فهو ليس بعمل صالح وان اعتقد صاحبه خلاف ذلك.
الثانية: من شروط العمل الصالح المَرضيِّ عند اللَّهِ أن يكون خالصاً لوجهه دون غيره من خلقه، وهو العمل المستلزم لاجتناب الرياء وحب السمعة والجاه والثراء على حساب الدين؟، فهذا العمل الصالح الذي يرائي به صاحبه غير مَرضيٍّ عند اللَّهِ تعالى
الثالثة: من شروط العمل الصالح إذا كان متعدياً للآخرين ومتعلقا بالمصلحة العامة ويُهمُّ أمر العامة أن يحقق مصلحة شرعية راجحة غير مرجوحة، أو أن يدرأ مفسدة راجحة غير مرجوحة.
فليس كل عمل صالح مرضيٍّ عند الله تعالى مالم يحقق المصالح العليا للعباد والبلاد، لأن تحقيق المصالح للعامة وجلبها مطلب شرعي، وإن دفع المفاسد عنهم ودرءها مطلب شرعي مقدم على جلب تلك المصالح.
فمن أراد أن يتقبل اللَّهُ منه الأعمال الصالحة المرضية عنده فعليه الاعتناء بهذه المقدِّمات الثلاث.
جلاءُ العينيْن في تبيان معنى “قُرَّة العين”:
قُرَّةُ العين تعني المنظرَ والمرأى والمشهدَ معاينةً بالأبصار فيحقق لكَ رؤيتهُ الفرحَ والسرورَ والبهجة والحبورَ ما تكتفي برؤيته فلا تلتفت إلى غيره.
أنظر وتأمل هذا المعنى الجميل.
وقد ذُكرت ” قُرَّةُ العين “على هذا المعنى في كتاب اللَّهِ تعالى والسنة المطهرة ومنه قوله تعالى في سورة السجدة واصفاً أهل الجنة:((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17).
وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله كما في صحيح البخاري قال:(يقول اللَّهُ تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا إُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا ما شئتم قوله تعالى:((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
وهذا الحديث يدل على عجائب ما أعدَّ اللَّهُ تعالى لعباده الصالحين في الجنة مما لم ترَ عينٌ مثله، ولا سمعت أذنٌ عن مثله، ولا يتصوره عقل، أو يستحضر مثيلَه قلب.
وليس هذا وحده الذي تتحقق به “قُرَّةُ العين” وإنما تكتمل الفرحة والسرور والبهجة والحبور بدوام ذلك أبداً وعدم انقطاعه أو زواله إلى أبد الآبدين وهذا هو معنى الخلود الابديِّ في الجنة بلا موت ومنه قوله تعالى في سورة هود :((وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)
وغير مجذوذ يعني غير مقطوع.
وهذا ما كان النبي صلى اللّهُ عليه وسلم يدعو ربه به، كما قال صلى اللَّهُ عليه وسلم :((وأسألك قُرَّةَ عين لا تنقطع) رواه النسائي وابن خزيمة في كتاب التوحيد وصححه.
وجوَْد إسناده العراقي في تخريجه للإحياء.
وقرة عينه عليه الصلاة والسلام في الدنيا هي إقامة الصلاة والمداومة عليها ومنه قوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة) رواه الإمام أحمد في مسنده وقوّى إسناده الذهبي وحسَّنه الحافظ ابن حجر.
وكذلك دعاء المؤمنين ربهم في قوله تعالى في سورة الفرقان :((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74))
وقُرَّةُ الأعين بالأزواج والذريات هو أن يكونوا صالحين من أهل التقوى والقائمين على طاعة اللَّهِ تعالى ورسوله صلَّى اللَّهُ عليه وسلم والمداومين عليها.
وأعظمُ ما تَقَرُّ به أعينُنا يوم القيامة هي لذة النظر إلى وجه اللَّهِ الكريم فإنها قرة أعين المَوَحِّدين ورجاؤهم يوم يَلْقَوا ربَّهم الكريم فيكشف الحجابَ عن وجهه الكريم، فما أُُعطوا شيئاً في الجنة أَحَبَّ إليهم من النظر إلى وجه اللَّهِ الجميل سبحانه وتعالى.
ومما تَقَرُّ به أعين الموحدين يوم القيامة كذلك هي رؤية النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وإخوانه الأنبياء والمرسلين والصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان ومصاحبتهم في جنات النعيم.
اللّهُمَّ إنا نسألك قُرَّةَ عَيْنٍ لا تنقطع في الدنيا والآخرة.