مغالطة الرحمة والعذاب
الناقد أدهم الشبيب
يخرج علينا المغتاضون من دين الإسلام المحاربون له مموَّلين من جهات غربية ذات أهداف معروفة أو مستعينين بأفكار إلحادية أو فوضوية التقطوها من هنا وهناك، يخرجون علينا بترويجات يسوقونها -للسذّج من الناس- على أنها شبهات تخترق صلاح المنهج الإسلامي الرصين وتربك نظامه.
تلك الطروحات -وكما تناولنا كثيرا منها سابقا – تبدو للوهلة الأولى قبل التفكر والتمحيص من أصحاب العقول فضلا عن المؤمنين وكأنها معقولة أو موجبة للتوقف عندها وهي أمور إشكالية كثيرة لا تمس العقيدة ولكن تمس المنطق الذي يوهمون الناس أنهم يتبعونه ويسيرون على وفق أسسه العلمية، منها قضية الرحمة والعذاب موضوع مقالنا اليوم.
يقول المشككون :”لماذا الله رب -الأديان- السماوية المتبعة اليوم يصرح ويتوعد الناس -العاصين أو الكفار- بالعذاب يوم القيامة” هذا فضلا عن اعتراضهم على “المرض والعوق الجسدي ومعاناة الفقراء في الدنيا” “كيف يقبل ربهم -إن كان موجودًا وكانوا صادقين في إيمانهم ذلك فيصب عليهم العذاب في الآخرة ويذيقهم المعاناة في الدنيا “!
دعني أذكر أًولًا أن هذه الإشكاليات والطروحات ليست جديدة على ساحة العلم والدين بل والفلسفة فقد تناولها قديمًا في القرون المتقدمة متكلمو المسلمين وفلاسفتهم، وهم الذين طرحوها في الأصل وليس خصومهم لتكون مادة للتفكر والمناقشة ثم البت بالأحكام والنتائج عن ماهية وجودها واقعًا وأسباب ذلك الوجود ومنطقية تحقيق الله لوعده ووعيده بالرحمة والمغفرة للمؤمنين أو العابدين الصالحين أو التائبين من جانب وبالعذاب والغلظة للكافرين أو العاصين من جانب آخر.
وتجد ذلك منتشرًا في كتب علماء الأمة المتقدمين والمتأخرين خصوصا منهم المتكلمين ومن اشتغلوا بما كان يسمى بـ”علم النظر والاستدلال” أمثال الإمام الغزالي الذي يقول:”ولم يكن شيء من علم الكلام- مألوفًا في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونجت جماعة لفقوا لها شبهًا ورتبوا فيها كلامًا مؤلفًا فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونًا فيه بل صار من فروض الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة”. وقال أيضا: “فإذن علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة” انتهى كلامه.
وقد عقد ابن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري) فصلا عن الكلام يذكر فيه أن الإمام الشافعي كان يكره كلام أهل الأهواء والبدع، أما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضّح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عنده وقد كان الشافعي يحسنه وبلغ فيه مبلغاً عظيماً” انتهى كلامه. وقال ابن حجر الهيتمي في (الفتاوى الحديثية) “الذي صرح به أئمتنا أنه يجب على كل أحد وجوبًا عينيًا أن يعرف صحيح الاعتقاد من فاسده، ولا يشترط فيه علمه بقوانين أهل الكلام لأن المدار على الاعتقاد الجازم ولو بالتقليد على الأصح. وأما تعليم الحجج الكلامية والقيام بها للرد على المخالفين فهو فرض كفاية،” انتهى كلامه.
وغيرهم كثير منهم الإمام الأشعري والماتريدي والباقلاني والجويني والبيهقي والإمام النووي والعز بن عبد السلام والسيوطي والتقي السبكي، بل إن شيخ الإسلام في بعض مؤلفاته تعرض لذلك ولم يجد فيه حرجًا، فإنني أورد هذا لأحيل المستزيد إلى كتب هؤلاء ومقالاتهم عن موضوع رحمة الله وعذابه بالتفصيل ومسوغاتها المنطقية بالمحاججة والأدلة والبراهين.
ولكني هنا اختصر لضيق المقام وبالعودة إلى مغالطة الذين يجددون الافتراء اليوم والادعاء بأن الله -حاشاه- يحب تعذيب العباد وأنهم -باتباع قوانينهم الدنيوية- أرحم من الله على عباده ! أقول في الأصل الله تعالى لا يعذب الناس شهوة أو رغبة حاشاه عما يصفون وفي ذلك وبآية بينة يقول عز من قائل:﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
ولكن “الحكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة، أبطل الله جزاءه بالسوء؛ إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب، ولكنها المسببات تجري على الأسباب” كما يقول الطاهر ابن عاشور رحمه الله في (التحرير والتنوير).
فالله تعالى قدم رحماته على عذابه، فكل سورة يبدؤها باسم الله الرحمن الرحيم سواء اشتملت على وعد أو وعيد، “وعَنْ عُمَر بْنِ الْخَطّاب رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ في حادثة السبي ما منه “،،،، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا: لَا وَاللّهِ، وَهِيَ تَقدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطرَحهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا” رواه البخاري ومسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي”
فلو كان الله يريد تعذيب عباده ابتداءً لما صبر على الكافرين والجاحدين ساعة وهو القادر، قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ”
فها هو يرزقهم ويمدهم في أعمارهم ولمن تاب منهم ولو بعد حين أجر العابد تبدل سيئاته حسنات، فهل أعظم من هذه رحمة، فإن أبانا إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يرزق بلده من الثمرات فخص بدعائه المؤمنين فقال الله تعالى والكافرين أيضا.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
فرحمة الله قبل عذابه ومغفرته قبل عقابه دون شك ، ولك أن تتأمل “هناك مليارات من الناس اليوم يشتمون الله وينسبون له الولد، أو يجحدونه، أو يعبدون غيره، ومع ذلك: يرزقهم، ويُصح أبدانهم، وينعم عليهم بما لا يحصى من النعم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، ويقبل توبة من تاب منهم، ولو عاش في الكفر والتمرد ما عاش، ويفرح بهذه التوبة، ويكرم صاحبها، ويبدل سيئاته السابقة حسنات!”
فإنما الظالم المعذب من لا يمهل ولا يعذر ولا يعطي الفرصة لعبده أن يتوب. والله سبحانه حليم كريم يمهل عباده، ويُعذرهم، ويرسل إليهم من يذكرهم، ويبتليهم في الدنيا بما يخوّفهم ويقربهم إليه.
فالله تعالى لا يعذب بظلم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ بل يرحم ويمهل.
فعَنْ سَلْمَانَ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ”
ولكنه تعالى خلقك وأكرمك وأنعم عليك ولم يطلب منك سوى التوجه إليه وتوحيده وعبادته بما يستحق ولذا فهو سبحانه حكيم عليم خالق قادر، لا يرضى أن يعصى ولا أن يكفر به، ولا أن يكذَّب أنبياؤه، ولا أن يُظلم عباده، ولهذا توعد من كفر به، وكذب رسله، وظلم عباده بالعذاب الأليم الشديد. “وهذا من كمال عدله وقوته، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ () وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
فهؤلاء الجاحدون ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فلابد لهم وللعاصين والمنافقين والمنكرين لنعم الله والمصرين على عصيانه ومخالفة أوامره والشذوذ عن فطرته من رادع يفزعهم ليرعووا، وهذا حق الخالق المنشئ المنعم، ولذلك حذر الله تعالى من الحساب، ويوم الفزع الأكبر، وتكوى جباههم وتشوى جلودهم، نحن نرضى بحكم خالقنا ومشيئته ونعلم أنه لن يصيبنا ظلم تحت رحمته ونقول قول العبد الصالح الوارد في آي الذكر الحكيم ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
فلا بد للأشرار أو الكفار من الناس أن يفزعوا لينتبهوا و الأمر أمامهم متاح والتوبة متناولة، أما إن لم ينصاعوا ولم يعودوا فالله تعالى لا يلتفت إلى اعتراضهم أو جدالهم أو ما يظنون أنها محاججة مفحمة وقعوا فيها على الحق، بل إن جهنم حاضرة ولا رجعة فيها من عند الله وإن ظنوا أنهم مجادلون، ولا ينظر الله تعالى إلى قولهم: إن الإنسان -وقد خلقه الله- لا قبل له بتحمل العذاب، بل إن خالقه أعلم به وهو أرحم به إن عاد وأصلح واتقى، أما الذين يجحدون ويكفرون ويصرون فلا ينفعهم قولهم لماذا يعذبنا الله ونحن لا نحتمل: بل
﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓاْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
أجارنا الله منها أجمعين والحمد لله رب العالمين.