الذكرى العشرون ومسار الجبهة المضادة
بقلم : جهاد بشير
في الوقت الذي حاول الاحتلال الأمريكي أن يحيل ربيع العراق خريفًا باحتلاله وتدميره وتفكيكه بسطوة عسكرية تحت مظلة منظومة سياسية ابتناها على أسس طائفية وعرقية؛ لم يكن قادته ولا منظّروه ولا الأدوات التي استُخدمت لتسيير مشروعه يتوقعون أن يواجهوا جبهة مضادة ذات اتجاهين متناسقين لا تزال حتى الساعة ذات تأثير واضح على المشهد العراقي.
قبل أشهر من بدء العدوان على العراق الذي أفضى إلى احتلاله سنة 2003؛ استشرفت ثلة من علماء البلاد الكبار مآلات الأوضاع وتداعياتها على العراقيين بوصفهم شعبًا مستهدفًا في دينه وثقافته ومجتمعه المتميز بتعدد المكونات وتناسقها، فقرأت هذه الثلة الأحداث برؤية شرعية لتحدد موقفها مبكرًا، فلما صار الاحتلال واقعًا مفروضًا على العراق تبلورت رؤية هؤلاء العلماء لتظهر هيئة علماء المسلمين في العراق مؤسسة شرعية أخذت دورها في الحياة وفق ضوابط الشريعة الإسلامية ومقتضياتها ومقاصدها ولا سيّما في الوضع الطارئ الذي يعيشه العراق حيث تمور به الفوضى ويبحث الناس فيه عن ملاذات آمنة.
عملت هيئة علماء المسلمين في العراق في ظل الواجب المفروض عليها شرعًا حين يخلو الزمان من السلطان الشرعي المعتبر؛ في أن يكون العلماء هم ولاة الأمر الذين يوجهون الناس ويسوسون شؤونهم العامة؛ فانطلقت في هذا الميدان وهي تتناول الشأن العراقي بكافة اتجاهاته: السياسية، والثقافية، والعلمية، والإرشادية، فضلاً عن الشرعية والعقدية التي تؤصل لمشروع المقاومة، وذلك امتثالاً لمقاصد الإسلام بوصفه نظامًا شاملاً في الحياة.
لم تكن الجبهة التي انحازت إليها هيئة علماء المسلمين في العراق قابلة لأن تخضع لمشروع الاحتلال أو تداهنه، لاعتبارات عديدة، تأتي العقيدة في مقدمتها، دون صرف للأنظار عن أحكام الشريعة الإسلامية في فقه الدين وأصوله، وأخلاقه، وسياسته الشرعية، ونظامه الاجتماعي، إلى جانب الأسس الوطنية – التي تعد من استنباطات ومقاصد الثوابت الشرعية – في التعاطي مع المجتمع العراقي الذي يفضُل على سائر المجتمعات الأخرى بالتنوع والتعدد المفضي في أصله إلى الانسجام والتجانس لا إلى الفرقة والخلاف، رغم أن الأخيرتين لعب مشروع الاحتلال على أوتارهما بقوة.
وتحت مظلة هيئة علماء المسلمين برزت القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، لتأخذ دورها في ساحة المجتمع العراقي ومشهده العام، وهي تسترشد برؤى الهيئة وتمضي في مسارها، فكانت لها مواقف موثقة في تأريخ العراق في العقدين الماضيين أثمرت إنجازات لا يمكن تغطيتها أو تجاهلها إلا عند من يريد مغالطة الواقع وإعلان العصيان في وجه الحقائق.
الاتجاه الثاني للجبهة المضادة للاحتلال ظهر سريعًا في مشروع المقاومة العراقية الذي وجد هيئة علماء المسلمين والقوى المناهضة للاحتلال ظهيرًا له في وقت عز فيه النصير، حتى صار الميدان العراقي سياحة تستجم فيه فصائل المقاومة وهي تقاتل جيش الاحتلال وجنوده ومرتزقته، وكم أوجعتهم ضربتها وألحقت بهم خسائر لا ينفك عنها العار، في الوقت الذي بات المشهد السياسي لا يستطيع صياغة معادلة دون أن يكون لجبهة المناهضة أثر أو تأثير فيها، ويكفي في هذا المقام أن يكشف الراصد بيُسر كيف أضحت مصطلحات هيئة علماء المسلمين في العراق ورؤاها مثابة لجل العراقيين في السنوات القليلة الأخيرة ولا سيما بعد ثورة تشرين التي رفع شبابها الشعارات ذاتها التي صاغتها الهيئة منذ النصف الثاني من عام 2003م.
بعد مضي عقدين من الزمن، لم تبق شوائب تحول دون تمايز الصفوف، فلا عذر لمن يدّعي عدم معرفته إلى أي اتجاه ينبغي أن ينحاز إذا كان يريد للعراق وأهله الخير والسلام، وحيث تحاول قوى الاحتلال المزدوج في أن تجلب على المشهد العراقي بخيلها ورَجِلها كما هي عادة معسكر الشيطان وجنوده، فإن سبيل الحق المفضي إلى الخلاص واضح المعالم وبيّن الاتجاهات، والله غالب على أمره.