|

الشيخ حارث الضاري – رحمه الله – وذكريات ومواقف

بقلم: جهاد بشير

حينما يدور الحديث عن المشهد العراقي وتموج الأفكار والتحليلات بين حين وآخر على مواقع التواصل الاجتماعي وغيره؛ بشأن مآلات الأحداث، ومصداقية الاستشراف، والاستشهاد بالثبات أو الفشل، والتصنيف بين خطأ هذا الموقف أو صواب ذاك القرار؛ تُظهر تداعيات ذلك اتجاهين يتمايزان تبعًا لمنطلق أصحاب كل منهما.

ينطلق فريق من المتحاورين من مرجعيته لثوابت شرعية وأسس وطنية، يضيف لها تحكيم متجرد للعقل في تقييم المشهد، ومقارنة المخرجات الحالية مع مسبباتها الماضية ليخرج بنتيجة ما، في حين لا يستطيع الفريق الآخر أن يتجاوز حدود العملية السياسية التي أسسها محتل كافر عاث فسادًا في العراق مستهدفًا عقيدته وأهله وكل شيء فيه، وهو ينظر إلى الواقع فيجعلها مرجعًا وحكمًا، وعلى ضوئها يحاول أن يُنظّر باتجاه المصالح والمفاسد، أو المكاسب والخسارات، في نظرة مادية مجردة.

الراصد لهذا؛ يجد موقفين متناقضين تمامًا، فهو أمام حوار بين من ينطلق من دائرة الحق ويسعى لإثبات نصاعة أهله وتاريخهم، وبين من يخرج من مغارات الباطل فينتهي بحواره إلى جدل ذي صخب، ومِراء لا يقوم على اعتبار عقلي أو منطقي، وهذه في الحقيقة مشكلة معقدة ولا سيّما في أذهان وتصوّرات جيل الشباب الجديد الذي لم يطّلع على حقيقة ما جرى في العقد الأول من عمر الاحتلال، وإنما يكتفي بما يُنقل له من هذا وذاك إمّا بمصداقية حقيقية، أو بناءً على منطلقات فكرية أو حزبية أو غير ذلك مما يبعث على الجرأة في تزييف الحقائق وحرف البوصلة؛ طمعًا بالظفر بموقف يستعلي به صاحبه على خصمه.

وتعد مواقف الشيخ الدكتور (حارث الضاري) رحمه الله، وبالضرورة مواقف هيئة علماء المسلمين في العراق؛ واحدة من الملفات ذات الصلة المباشرة بما قدّمنا له آنفًا؛ فإن استشرافهما الصادق، وتحليلهما المنضبط، علاوة على الثبات على مبدأ اتخذته الهيئة والشيخ منذ ساعة الاحتلال الأولى؛ مدعاة للبحث والدراسة والتحليل والنظر، إذ أخذت الأحداث الأخيرة تثبت أكثر من أي وقت مضى أن ما تبنّاه الشيخ الضاري – رحمه الله – وعملت عليه هيئة علماء المسلمين؛ هو الصواب في معالجة الواقع العراقي بعد الاحتلال، وفيه المنفذ شبه الوحيد لإخراج العراقيين من مشكلاتهم التي نمت وأخذت تتفاقم من جرّاء الاحتلال ومشروعه السياسي الذي لم تكف مخرجاته من: دستور، وحكومات، وقوانين، وأنماط أمنية، وعلاقات مشبوهة، وفساد متفشٍ؛ عن إثبات نقيضها في أن عدم السماع من الهيئة ومن معها من القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية في وقت مبكر؛ قاد البلاد إلى هذا الوضع المنحط في كل شيء.

إن حراك العراقيين ولا سيّما في ثورة تشرين وما بعدها أظهر أن خيار مقاطعة الانتخابات ونزع الشرعية من خلال ذلك عن حكومات الاحتلال الناتجة عنها، هو مسلك شرعي ومعتبر، وموقف سياسي له أثر بالغ الأهمية في معرفة الطريق الصحيح المؤدي إلى أسباب وسبل التغيير في العراق، وهذا مما أعاد إلى أذهان الكثير من المدوّنين والمغردين؛ موقف هيئة علماء المسلمين وفي طليعتها شيخها (حارث الضاري) رحمه الله؛ التي تبنت هذا الخيار ومضت فيه عن قناعة تامة تستند إلى ثوابت الشريعة ودواعي تحقيق مصلحة العراقيين وضمان مستقبلهم.

أصحاب خيار المشاركة في العملية السياسية الذين أسقط في أيديهم حينما وجدوا أنفسهم يدورون حول قناعاتهم المادية الفارغة دون جدوى، بحيث لم يجعل لهم شركاؤهم أدنى اعتبار داخل منظومة الحكم، وتبخرت شعاراتهم التي لم تكن سوى أصوات تثير العواطف وتحفز المغالطات؛ لم يرق لهم الخروج من هذه الورطة – لأنها وإن كانت مشكلة حقيقية في ذاتها فإنها حققت إنجازات وقتية لهم ومصالح قائمة على منافع حزبية استحوذوا فيها على أموال ومكاسب – وقعدوا جُبنًا عن الاعتراف بفشلهم وصواب رؤية الهيئة واستشرافها، وبدلاً من اتخاذهم خيارًا نبيلاً في تغليب مصلحة العراقيين العامة على مصالحهم الشخصية والخاصة، والإقرار بأن صف الهيئة وجانبها واتجاه الشيخ (حارث الضاري) وأصحابه هو الحق الثابت أمام باطلهم الذي يتهاوى يومًا بعد آخر؛ اتخذوا خيارًا لئيمًا قائمًا على المغالطات والتناقضات مع حملة إعلامية وتثقيفية تقوم على مقصد واحد، وهو إسقاط الهيئة والشيخ من أنظار العراقيين، وتحميلهما مسؤولية ما جرى لأهل السنّة في العراق من تهميش وضياع حقوق ومآلات تتذبذب بين النزوح والتشريد أو القتل والتغييب.

إن من اتخذوا خيار المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال في العراق، ارتكبوا جريمة العصر بحق الأمّة كلّها؛ لأنهم حوّلوا أهل السنة من وصفهم أمة غالبة إلى مكون رخيص وطائفة تفتقر إلى الهوية، حينما صادقوا بمشاركتهم على أن نسبة العرب السنّة لا تتعدى الـ20 %، وانعكس ذلك على تمثيلهم في المشهد السياسي بنسبة أقل من ذلك بكثير، وفي أجهزة الأمن بنسبة لا تتعدى الـ10%، فضلاً عن شبه انعدام في التمثيل بوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى، بينما لو كان خيار عدم المشاركة هو المُتخذ؛ لبان للجميع أكثرية القوم من أقليتهم!

لذلك لا بد من الوقوف هنا أمام شبهتين أثارها هؤلاء على تاريخ الشيخ (حارث الضاري) رحمه الله خاصة، وعلى هيئة علماء المسلمين في العراق بشكل عام؛ أولاهما: ادعاء معلومة يجري تداولها دون إتيان بدليل بأن الشيخ الضاري عليه رحمة الله “أفتى بتحريم المشاركة في أجهزة الجيش والشرطة”، وأنه “لولا هذه الفتوى لكن لأهل السنة وجود وقوّة”، و”أن السنة لو لم يتخذوا خيار المقاومة لكان حالهم أفضل، ولنجت مدنهم من التدمير والتهجير”، في طرح ساذج لا يمكن تمريره إلا على من غيّب عقله وانقاد في مسالك عاطفته المجردة عن مواقف الشريعة ولوازم ما أمر الله به.

حينما يُنسب كلام لشخص مات وأفضى إلى ما قدم ولا يمكنه الحضور ليصدّق الناقل أو ينفي ما نقل؛ فإن المنطق يحتم على المتكلم الإتيان بدليل، وإلا فإنه كذاب سواء في توصيف الشريعة، أو عرف القانون، أو مبدأ العقل، ولو افترضنا بأن الشيخ – رحمه الله – أفتى بما يدّعوه؛ لماذا سمعوا له وأطاعوا في ذلك الوقت وهم اليوم يندبون حظهم ويبكون ويخرجون وكأنهم محللون وراصدون وذوو بصيرة باتوا يدركون الصواب من الخطأ؟ عليهم إذن لوم أنفسهم والكف عن تعليق فشلهم على رجل توفاه الله وهو ثابت على مبدأ لم يبدله.

ثم إن ظاهرة الندم على قيام أهل السنة بمقاومة الاحتلال لأنهم خسروا بذلك جانبًا من السلطة والحكم؛ واحدة من مظاهر طيش العقل ورداءة الفهم، وكأن أهل السنّة لو لم يقاوموا الاحتلال فستتغير نسبة حاكم الاحتلال “بول بريمر” الـ(20%) التي افترضها حينما شكّل مجلس الحكم، فأين الأولوية في معيار التعامل مع شريعة الله وأوامره حينما يغشى عدو كافر بلدًا مسلمًا؟!

لقد شارك السنة في الانتخابات سنة 2006 – وبتحشيد غير مسبوق- وحصلت جبهة التوافق على أربعة وأربعين مقعدًا في مجلس النوّاب وخمس وزارات؛ فهل يستطيعون إلى اليوم أن يشرحوا سبب إخفاقهم؟ وهل يعرف ذبابهم الإلكتروني الذي يردد افتراءاتهم نسبة الأصوات التي حصلوا عليها مقابل المقاعد التي منحت لهم؟ والغريب في هذا الموضوع هو تجاهل أصحاب هذه المواقف المعادية للشيخ الضاري – رحمه الله – في أثناء ترويجهم لفرية فتوى تحريم الدخول في سلكي الجيش والشرطة؛ أن وزير الدفاع في حكومة بغداد سنة 2005 كان سنيًا وهو “فلح النقيب” ابن سامراء التي اجتاحها جيشه – مثلما اجتاح الفلوجة – بمعية جيش الاحتلال الأمريكي وقتل فيها في يوم واحد نحو 2000 من أهلها، فأين هي معادلة القوم في هذا الموضوع؟!

والشبهة الأخرى: تدور حول إسهابهم وتكرارهم المزعج لواحدة من أكاذيب خصوم الشيخ (حارث الضاري) -رحمه الله – بترويج عبارة “القاعدة منا” في اجتزاء نصي مخل وسخيف، من قول الشيخ في لقاء على قناة الجزيرة، وهم أنفسهم يحسنون الجواب حينما يُسألون: لو أخبرهم أحد بأن الله أعد للمصلين عذابًا واستشهد على ذلك بدليل من القرآن الكريم: (فويل للمصلين)، فهل يوافقوه؟ بالتأكيد لا، لأن اقتطاع الجمل من سياقها لا يعطي المعنى المراد، لكنهم حينما يقتطعون كلام الشيخ من سياقه يتهربون من مناقشة ذلك، وترتفع أصواتهم كالذي يحاول أن يجلب على أهل الإيمان بخيله ورجله سعيًا لتصدير الوهم وبث الأكاذيب التي يغطي بها سوأته!

إن التعاطي مع تاريخ العراق ومواقف شخصياته وهيئاته وأحزابه ومؤسساته وكل ما ظهر في مشهده بعد الاحتلال، لا بد أن يكون منطلقًا من قوله الله تبارك وتعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا)؛ وأمّا تجريد النصوص من سياقاتها وسوق الروايات المغلوطة دون دليل أو إثبات؛ فهو انجراف صريح إلى طريق الإمّعات الذين يرددون ما يُقال دون بصيرة أو تثبت، والله غالب على أمره.

Similar Posts