من الأسماء الحسنى (القيوم)
الدكتور محمد الحاج عيسى
من الأسماء الحسنى المتفق عليها اسم القيوم، قال تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة: 255) وقال: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) (طه 111).
القيُّوم على وزن «فيعول» من قَامَ يقوم قياما، وأصله يرجع إلى الانتصاب الذي ضده العقود، والعزم كما يقال: قام بهذا الأمر إذا اعتنقه وجد عزمه فيه، وتوسعت العرب في استعماله فقيل: قام بالشيء إذا وليه، وتكفل به، ويقال: فلانٌ قِوامُ أهل بيته، بمعنى الذي يقيم شأنهم ويدبره، وقيم القوم: هو الذي يقومهم ويسوس أمرهم. وقِوامُ الأمر: ملاكه الذي يقوم به ونظامه وعِماده. وأقامَ الشيء أي أدامه، وحافظ عليه كإقامة الصلاة. وكل من ثبت على شيء وتمسك به فهو قائم عليه، كقوله (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)(آل عمران:75).
والله تعالى هو القيوم أي هو القائم بنفسه المستغني عن غيره، المقيم لشأن خلقه إيجادا ورزقا، وتدبيرا لكل أمورهم، والدائم والحفيظ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
1-فالله تعالى هو القائم بنفسه الغني عن غيره، كما قال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15) (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) (الأنعام:14)
2-وهو سبحانه هو المقيم لغيره، القيم على كل شيء بالرعاية له والمدبر لجميع ما يجري في العالم، فهو القائم على الأقوات والأرزاق. قال سبحانه: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن: 29) ويدخل فيه القيام بالعدل بين الخلق ووضع ميزان الكون كما قال تعالى: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) (آل عمران:18).
3-وهو الدائم الذي لا يزول؛ والدائمة أفعاله وصفاته.
4-وهو الحفيظ للعباد وأعمالهم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وقال الطحاوي: «حي لا يموت قيوم لا ينام»، ومنه قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) (الرعد 33). قال الطبري :”قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظ عليهم والله أعمالهم “. ومن معاني حفظه حفظ السماوات (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) [فاطر:41] ومقتضى ذلك نفي السنة والنوم عن الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم:« إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ»-مسلم-. والقسط هو الميزان، وبه يقع العدل في القسمة، والمراد خفضه ورفعه بما يوزن من الأعمال المرتفعة إليه، وأيضا بما يوزن من أرزاقهم النازلة إليهم. قال تعالى: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر:21)، ولذلك قيل: المراد بالقسْط الرزق، يخفضه فيقتّرهُ ويرفَعَهُ فيوسعه.
آثار الإيمان به
1-أول آثار الإيمان بقيومية الله تعالى توحيده سبحانه ونفي الشريك عنه في الألوهية، فالقيومية التي تتضمن معنى تفرد الله بتدبير أمر السماوات والأرض ومن فيهن؛ تستلزم ألا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فلا الصالحون والملائكة المقربون والأنبياء ولا عيسى عليه السلام يتصف بصفة القيومية ولا الشمس والقمر ولا الأصنام وغيرها مما اتخذه البشر معبودا من دون الله تعالى.
2-ومن الآثار تعظيم الله تعالى وذلك أن صفة القيومية من الصفات الجامعة التي تدل على كمال غنى الله وكما قدرته وأنه الفعال لما يريد في الكون خلقا ورزقا وتدبيرا وجزاء يوم القيامة.
3-الثناء على الله تعالى بأنه القيوم والاستغاثة باسميه الحي والقيوم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام للتهجد : « اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ » -متفق عليه-، وأوصى فاطمة رضي الله عنها أن تقول إذا أصبحت وإذا أمست : «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ » -النسائي في الكبرى-، ومن استغاث بهذين الاسمين فكأنه استغاث بجميع الأسماء لأن مرجع معاني الأسماء كلها إليهما؛ فالحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، والقيومية متضمنة كمال غناه وكمال قدرته.
4-وأعظم آية في القرآن هي آية الكرسي كما في حديث أبي بن كعب عند مسلم، وما ذلك إلا لتضمنها جليل صفات الله تعالى وأولها الحياة والقيومية فضلا عن الملك والعلم والعلو والعظمة.