روح الأمّة.. بين ربّانية العلماء والبصر بالسياسة
بقلم : جهاد بشير
تتجلى ربّانية العالِم وطالب العلم في المواقف والنوازل والأحداث التي تشهدها الحياة على كافة مستوياتها وأصعدتها، ولا سيّما فيما يتعلق بالتعاطي مع الشؤون العامة، والبصر بالسياسة، ورعاية شؤون الناس، وحول هذا المعنى كان مقصد الإمام الجويني – رحمه الله – حينما صنّف غياث الأمم؛ الذي جعل قسمًا غير قليل منه قانونًا للعلماء ومثابة لدورهم في الحياة إذا خلا زمان ما من السلطان، في منهج يوصف بأنه تأصيل للمسائل المتوقعة في السياسة الشرعية.
وفي واقعنا المعاصر الذي تلتهب الأحداث فيه وتتغير الوقائع، وتتباين الأفكار والرؤى؛ تكون الحاجة إلى أهل العلم أكثر من أي وقت مضى، وخاصة فيما يتعلق بواقع حال المنطقة العربية فضلاً عن العالم الإسلامي بعمومه، حيث تجد الشعوب أنفسها مقيدة بأصفاد الأنظمة التي تعيش بدورها حالات من تناحر وتضاد تبعًا لمعطيات النظام العالمي الذي يتحكم بها جميعًا ويحدد لها مسارات الطريق وفق ما تُسمّى توازنات تارة، ومسارات سياسية تارة أخرى.
وليس من المقبول في خضم هذا الوضع أن تنصرف جهود العلماء إلى الاصطفاف مع الأنظمة التي تُعدّ – وفق أليق وصف يمكن التعبير عنه في هذا المقام – النقيض الصريح للسلطان الشرعي المعتبر، ولا من المعقول – بالمقابل – الاعتزال والانزواء دون أن يهتبل أهل العلم دورهم في الإرشاد والتوجيه والتنظير ورعاية الشؤون العامة والخاصة لشعوب الأمّة بوصفهم ولاة أمر تجب عليهم مسؤوليات تجاه الرعية.
ولأن الواقع مليء بالمشكلات المتعددة والمتنوعة، التي تتعقد أكثر في ظل قبضة أمنية تمارسها الأنظمة، ومحددات قاسية تفرضها مؤسسات الحكومات بهدف عدم فسح المجال للعلماء وغيرهم للحديث أو العمل بما يضر مصالحها؛ نجد مشهدًا مؤلمًا تتعطل فيه الكثير من أحكام الشريعة، ويتم تجاهل مقاصدها، بالسكوت عن المنكر والإحجام عن الأمر بالمعروف، فضلاً عن الانقياد لهوى الحكومات سواء بالرضوخ إليها أو بالسكوت غير المبرر على منكراتها، و لكن بالمقابل ثمة شريحة من أهل العلم الربانيين ما تزال الأمة ترفع رأسها بهم، لما لهم من أقوال وأفعال تنادي بأمر الله وتطالب بالإصلاح وتسعى بجد في سبيل تحكيم شريعة الإسلام وإعلاء راية القرآن؛ دون أن يكبحهم ثمن باهظ أو سطوة نظام عاتية.
وحيث يتصل موضوع دور العلماء وطلبة العلم بالأحداث والمشاهد التي تعيشها الأمة في واقعنا المعاصر، ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار أن التعاطي مع مسارات السياسة الشرعية ومقتضياتها ولوازمها؛ له تعلق بالمصالح والمفاسد جلبًا ودرءًا على الترتيب، مع الحفاظ على الأصول والثوابت من عقيدة وتشريعات وأخلاق، والاحتراز الواجب من تمييعها أو تسييسها نحو وجهة غير منضبطة، فضلاً عن جعل روح الشريعة ومقاصدها هدفًا لازم التحقيق في توصيف القضايا أو تبيان حكمها.
ولا ينطبق ما تقدم على العلماء وحدهم، بل إن للحركات الإسلامية والدعوية وحركات التحرر منها على وجه الخصوص نصيبًا وافرًا من لزوم البصيرة في التعامل الواجبات والمحذورات الشرعية على حد سواء، وعليها أيضًا وجوب التعامل الأمثل مع العلماء الربانيين الذي يأخذون بأيديها نحو الحق والهداية، ويمنحونها الحصانة اللازمة من الوقوع في مزالق السياسة غير المنضبطة بالشريعة والمصالح التي تُتوهم بناءً على ظروف أو أحوال مجردة عن ثوابت العقيدة ومقاصد الدين.
وقد شهدت الأيام السالفة أحداثًا ومواقف مزعجة جاءت في سياق قرارات اتخذت تحت مظلة العلم والحراك السياسي المنحاز لأنظمة حكومية خاضعة لسطوة الغرب، فقد جرى في ميدان بعض من أهل التنظير في بلاد المغرب الإسلامي حديث بشأن دعوات نفير أو جهاد بذريعة إعادة سيطرة بلد أهله مسلمون لكن حكومته غير إسلامية، على أرض توصف بأنها محتلة من بلد شعبه مسلم أيضًا وحكومته غير إسلامية أيضًا.
وقد أنتجت هذه الدعوات خلافات عميقة وأخذت التنظيرات المنضبطة وغير المنضبطة وتداعيتها وقتًا للتعاطي والمعالجة، وكأن المتسبب بهذا المخرج غير المتوقع قد أنجز قضايا الأمّة الكبرى حتى يجعل أهل العلم يتفرقون للنقاش في جانب جزئي مثل هذا تحكمه حدود ابتدعها الغرب وجعلها مناطًا للتفريق بين الشعوب رغم اتحادها دينًا وقيمًا.. ورغم ذلك لم تصل المعالجات إلى مخرج شرعي آمن، وكل ذلك سببه أن طرح الفكرة – بغض النظر عن ماهيتها – مجردةً عن روح الأمة؛ صنع أنانية مفرطة وبالها لن يكون محدود التأثير.
إن تخلي المحسوبين على أهل العلم عن روح الأمة حين يتخذون مواقف قطرية ضيقة؛ هو مظنة فتنة كبيرة، وسبب للدخول في أزمة تتواجد لها الأنظمة طربًا وفرحًا لتمعن أكثر في غيّها وطغيانها، علاوة على تمهيدها الفرص للمتحكمين بمصائر الشعوب المسلمة وبلدانها الذين تديرهم سياسات الغرب وتأخذهم نحو أهدافها ومقاصدها.
ومن سنن الله تعالى في عباده؛ أنه يهيئ للأمة في كل زمان ومكان ثلة راشدة من أهل العلم تتخذ المواقف الشرعية الصحيحة والمنضبطة بعقيدة الإسلام ومقاصده، حينما تحل بالأمة أزمة أو فتنة ما، لتكون مواقفهم هذه مرجعًا لغيرهم حينما تقع مشكلة أخرى ذات سياق مماثل. ويذكر التأريخ هنا عددًا من علماء العراق وفي مقدمتهم الشيخ الراحل حارث الضاري – رحمه الله – وموقفه من غزو الكويت مطلع تسعينيات القرن الماضي وانتقادهم له آنذاك صراحة؛ على الرغم من سطوة النظام وقتها وقوّته؛ لأنهم نظروا إلى الأمر بروح الأمة وليس بدوافع القطرية، وغلّبوا المصلحة العليا للأمة على المصالح الجزئية المتوهمة، واستشرفوا مآلات هذه المشكلة وحذروا منها. ولو أن الداعين اليوم إلى تأجيج أزمة الصحراء الغربية اتبعوا ذلك السلف العراقي الربّاني لكان خيرًا لهم وأقوم.
ولم ينتهِ علماء الأمّة من مشكلة المغرب حتى دخلوا في أزمة المشرق، حين أعلنت حركة حماس إعادة علاقاتها مع النظام السوري المجرم، في خطوة تعاني من مشكلة عقدية، وعوز شرعي في توصيف المصلحة المعتبرة والعمل بها، بل ويغلفها ارتباك سياسي ناتج عن تماهي الحركة في التعامل مع إيران ذات المشروع المدمر للمنطقة ولا سيّما في العراق وسورية واليمن، رغم تحذيرات علماء المسلمين ومؤسساتهم الحركة من خطر هذه العلاقة ونتائجها على الأمّة كلها.
قدمت حركة حماس مصلحتها القطرية وتجاهلت دماء أهلها العراقيين والسوريين واليمنيين، فكان سعيها لمصلحة متوهمة في إعادة العلاقة مع بشار الأسد ونظامه مشكلة حقيقية على صعد ثلاثة:
أولها: أن هذه المسألة تدخل في حيز موالاة الظالمين المحاربين لدين الله وأمة رسوله -صلى الله عله وسلم- وبالأخص الموالاة السياسية ولو جزيئًا، وهو ما يقتضي نظرًا متأنيًا وبحثأ دقيقًا في خطوة من هذا القبيل خشية التصادم مع المحكمات في هكذا أمور. وقد وقع في هذا الإشكال من قبل فئة من العاملين في الحركة الإسلامية في العراق حينما انخرطوا في مشروع الاحتلال السياسي تحت ذريعة المصلحة، تمامًا مثلما تتذرع حماس اليوم بالمصلحة في إعادة علاقتها مع نظام دمشق، ولم تأخذ عبرة من حال من سبقها في هذا المنزلق.
وعلى صعيد آخر: فهذه المسألة لها تعلق بقضية الفصل بين السياسة والعقيدة، والترويج الواهم بأن الأولى لها أحكامها وظروفها التي لا تتعلق بالثاني، وهذا التفكير ما هو إلا صورة من صور البدع التي يُراد لها الحضور في أوساط الإسلاميين لتبرير اللعب بالثوابت وتمييعها تحت مظلة “المصلحة” و”الاجتهاد”، فإذا أجيز للإسلاميّ فردًا كان أو حركة العمل بالسياسة دون ضبطها بالشريعة ومقاصدها ومقتضياتها فبماذا يفرق عن اللاديني الذي يريد أن يفرّق بين الدين والحياة، ويجعل من الدين مغيبًا عن التشريع والسياسة والأخلاق وغيرها؟
أمّا الصعيد الثالث؛ فهو العناد القبيح في الإعراض عن أهل العلم الربّانيين الذين نصحوا وبيّنوا وأرشدوا وحذروا، بصريح العبارة وبوضوح النصوص، فضلاً عن استحضار مشاهد التاريخ وأحوال الواقع، ومع ذلك فلم ينكر العلماء من مختلف التوجهات والمشارب الفكرية تاريخ حماس الجهادي في فلسطين ودورها في مواجهة الاحتلال الصهيوني، أفلا يتوجب على عقلاء حماس أن يضعوا ذلك في الاعتبار..؟
هكذا تعيش الأمّة واقعها، ويواجه أبناؤها مشكلات متعاقبة، كلما تعقدت واحدة داهمتهم أخرى، في وقت لا يكف أعداؤها عن غاراتهم عليها ولا يصرفون أنظارهم وجهودهم إلى سواها، وليس من علاج لهذا الواقع الأليم سوى أن يعيد العلماء الربانيون تنظيم صفوفهم، ويلتئموا في دائرة الفكر الجمعي الذي ينظر إلى روح الأمّة بوصفها مقصدًا شرعيًا إن غاب حضوره عن المواقف والقرارات التي يُراد لها أن تكون معتبرة؛ فلا تنفع حينئذٍ رؤى ولا مناهج فكرية في إصلاح المسار ، والله غالب على أمره.