خبر ورؤية | أعالي الفرات وممر إيران الاستراتيجي .. جهاد بشيرDec 19, 2017
زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر
ربما صار من المعتاد ألا يثير المتلقي خبرٌ يتحدث عن مرور قافلة عسكرية إيرانية تضم أفرادًا من الحرس الثوري وميليشيات الحشد الشعبي؛ عبر العراق إلى داخل الأراضي السورية، ولم يعد يلفت ذلك انتباه الكثير من المتابعين الذين ضج لسان حالهم ومقالهم من التعبير عن واقع حال تنطبق على وصفه جميع مصطلحات السوء.
ولكن الرؤية التي ينبغي أن يتم التعامل مع الأحداث في ضوئها؛ لا بد أن تكون متعددة الزوايا حتى تتكامل؛ فضلًا عن أن المشهد العراقي قبل انهيار الأوضاع في سورية، يختلف عنه فيما بعد ذلك، ويختلف أكثر بعد تراجع تنظيم الدولة وتحجيم المعارك على الأرض؛ ومن هنا لا يسلم للراصد أن يجعل كل شيء معتادًا، ولا يحق له التعاطي مع تطور الأوضاع على الرتابة نفسها.
وإذا كانت وكالة أنباء الأناضول قد رصدت بالأمس حراك القافلة من داخل العراق مرورًا بالبو كمال وانتهاءًا بدير الزور؛ فإن مسار القطعات الإيرانية لا يقف عند هذا الحد، لاسيما وأن الوكالة نفسها شخّصت أن طهرن بدأت فعليًا بتدشين خطها الاستراتيجي الذي أعلنت عنه قبل أكثر من سنتين ليكون رابطًا بينها وبين البحر المتوسط، وبطبيعة الحال سيكون ممره (ـ العراق ـ سورية ـ لبنان)، وجميع هذه البلدان أصبحت في متناولها وتتحرك فيها على الوجه الذي تريده بتفويض أمريكي خاص، وأخرى دولي عام.
كل ذلك وما زال المشهد ظاهريًا، وقد يطيب للمتابع أن يقول إن هذا الحراك مرصود ومُشخّص، وحظيت مآلاته وسيناريوهاته بتحيلات بلغت حد التخمة، فما الجديد فيه؟!
إن الأمور تتفاقم خطورتها حين تكون بخلاف ظاهرها، وخاصة عندما يتم التكتم على أحداث مرادفة، وتحركات ذات أثر يمهد لإنجاز على مديات قريبة وبعيدة، وتحديدًا في مناطق العراق الغربية ومنها على وجه الخصوص مدن أعلي الفرات التي تتميز بجملة من الأمور، يعد من بينها الموقع الاستراتيجي، وطبيعية سكّانها الدينية المحافظة، وأهليتهم لاحتضان المقاومة وحركات التحرر، وهذه من أهم المعطيات التي يضعها المشروع الإيراني في اعتباره وهو يؤسس لطريقه الذي يقوده لهدفه الأبعد.
تلك البقعة من العراق غيّبت تمامًا عن المشهد، وزج بها في غياهب النسيان بعد انتهاء العمليات العسكرية فيها والتي لم تدم طويلًا قياسًا إلى تلك التي شهدتها الموصل، وعلى الرغم من تشابه المأساة هنا وهناك؛ إلا أن الأخيرة نالت من الاهتمام الإعلامي ـ على قلّته وعدم ارتقائه لما دون المستوى المطلوب ـ أضعافًا مضاعفة بشدة عمّا نالته أختها؛ ليس حبًا بالموصل ورثاءًا لحالها، أو بحثًا عن نجاتها وخلاصها، بقدر ما هو مقصد لصرف النظر عن الأخرى وتعمّد التغطية على ما يجري هناك من عمل دؤوب يهدف لتصفية الناس وإزاحتهم من على وجه الأرض، وجعل المنطقة مفلسة تمامًا لا تقوى على أن تكون مؤهلة ليعيش بها كائن حي، فتمسي تحت إرادة وتحكم المشروع الإيراني الذي يمر طريق (امبراطوريته) المنشودة منها.
بالعودة إلى أصل المشهد؛ يجدر بالمقام أن يستدعي ما نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية منتصف الأسبوع؛ بأن سياسات بلادها في المنطقة العربية تحديدًا وفي الشرق الأوسط عامة؛ مكّنت إيران من تحقيق نفوذ يتفوق على أي نفوذ حصلت عليه قوة أخرى طوال نصف قرن، وبمقارنة ذلك مع سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وما ارتكبه من فظائع في محافظة الأنبار وتحديدًا في مناطق الفرات الأعلى منها؛ يتضح بجلاء أن ممر إيران الاستراتيجي مدعوم غربيًا، وتشجع الولايات المتحدة على تنفيذه، ويُراد له يكون مؤثرًا في عموم المنطقة التي تشرف على مرحلة جديدة سيكون لها وقع أشد وطاة مما تعانيه حاليًا.
وفي آخر المطاف؛ لا مناص من التذكير بسياسية التخادم الرائجة في المنطقة مؤخرًا، فالولايات المتحدة الداعمة الأولى للكيان الصهيوني؛ تتعامل مع إيران كحليف استراتيجي، ولا يستقيم عقل أو فكر يتجه نحو ترجيح احتمال أن تتقاطع مصالح الحليف والمدعوم، ولا أن تختلف توجهاتهما، ولذلك فإن ما يرتفع من أصوات تتحدث عن عداء دائم أو صِدام محتمل بين طهران وتل أبيب بسبب تزايد النفوذ الإيراني وتنامي هدفه بالوصول إلى البحر المتوسط؛ ما هو إلا رماد تتلقفه عيون فقدت إبصارها، وخداع تتقبله عواطف المغترين الذين تنطلي عليهم أكبر أكذوبة تم تداولها في المنطقة تحت مسمى (محور المقاومة).