|

أكاذيب المالكي ومرابض الطائفية

بقلم : جهاد بشير

لم يكن “نوري المالكي” ليحظى بثقة شبه مطلقة من جانب واشنطن وإيران على حد سواء؛ لو لم يحترف الطائفية السياسية على الشكل والنمط الذين يظهر بهما دائمًا في كل موقف يقتضي إثارة الجدل والعبث برماد الطائفية محاولاً استخراج بعض جمرها ليلقيه بين الأوساط الشعبية في العراق، لعله يظفر ببعض التحشيد المولد للفوضى والعنف.

الثقة شبه المطلقة التي ذكرت آنفًا؛ يعكسها بقاؤه في السلطة “رسميًا” مدة ثماني سنوات على رأس حكومتين متتاليتين من حكومات الاحتلال المتعاقبة بين سنتي 2006 و2014، على الرغم من أنه لم يربح الانتخابات في الثانية منهما، وجُدد المنصب له عنوة رغم كل أنف داخلي أو خارجي دُس في العملية السياسية وسوّق الوهم للجماهير بأن التغيير يكمن في المشاركة.

بين الطائفية والفوضى علاقة طردية، وحيث يكون “نوري المالكي” عرّاب الأولى، فإن مشروع الاحتلال الساطي على العراق بازدواجيته الأمريكية – الإيرانية يقتات على الثانية، ومن هنا تظهر حاجة كل طرف من المعادلة للطرف الآخر، ويبدو التلازم بينهما مهمًا إلى الحد الذي يجعل المتناقضين منها متآلفين والعكس أيضًا؛ تبعًا لحجم ونوع وكم المصالح التي تتجه نحوها الرغبات في كل مرحلة.

وحيث تبذل أدوات الاحتلال المزدوج في العراق وسعها في تحقيق ما تنشده أجنداته ومشروعه؛ فإنها تمتطي ظهر الطائفية السياسية لتولّد من جلبتها حالة الفوضى والاضطرابات، وفي مواطن الصراع السياسي والتنافس على حلبة الانتخابات تكثر الطروحات ذات البعد الطائفي والنمط المحرّض، ولدى الأشخاص الأكثر رغبة في توليد الأزمات قابلية استدعاء أحداث منسوبة للتأريخ، وتأليف قصص لا وجود لها، والزجّ بها دون قيود لتكون وقودًا يذكي لهيب الفوضى، تمامًا مثلما فعل “نوري المالكي” مؤخرًا حينما طفح كذبه ليبلغ حدًا من الدناءة لم يسبقه إليه أحد.

وفي تنامي الوعي الشعبي والمجتمعي في العراق للمخاطر التي يولدها خطاب الطائفية السياسية تجاه المجتمع في تركيبته وثقافته وقيمه؛ مشكلة حقيقية لأحزاب العملية السياسية وشخصياتها، فهي حين تجد الأبواب مؤصدة أمام طوفان تصريحاتها العدائية المحرّضة طائفيًا، تذهب مباشرة نحو رموز الأمة لتلصق بهم الإساءات وتفتعل بأسمائهم وصفاتهم مواقف مشوّهة تقوم على المغالطات والأكاذيب التي لا تصدقها عقول ولا تتعاطى معها أفهام إلا ما كان منها سقيمًا مدجنًا بالجهل والسذاجة.

اللافت للأنظار أن إساءة “نوري المالكي” لأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنهم جميعًا، وللأمة الإسلامية وتأريخها العامر في نصرة الإسلام وتثبيت عقيدته وتمكين شريعته؛ قوبلت برأي عراقي شبه جمعي ينطلق من توصيف هذا المسيء بالكذب والإفلاس تارة، وبالتجريم والفساد تارة أخرى، بل حتى من جانب من يظنهم المراقب جزءًا مما تدعيه الأحزاب السياسية المرتبطة بإيران أنه “حاضنة شعبية” تبعًا لهويتها الطائفية، إلا ما كان من أصوات مأجورة وتدوينات مدفوعة الثمن بادر الذباب الإلكتروني لعرّابي الطائفية السياسية في العراق لترويجها ونشرها، لكنها في كل الأحوال لم تتجاوز إطار العملية السياسية المعروفة ابتداءً في تكوينها وسجيتها.

أزمة توليد الطائفية السياسية في العراق تمايزت فيها المواقف وتجلت عندها الحقائق، فبينما سارعت هيئة علماء المسلمين لتتبوأ موقعها في الدفاع والصد، وصيانة مناقب رجال هذه الأمّة الذين حباهم الله تعالى برضوانه وصحبة نبيّه – صلى الله عليه وسلم – وكشف حقيقة الطائفيين الطارئين على العراق وسفه مشروعاتهم، ودناءة مقاصدهم؛ أظهرت الأزمة حقيقة بعض الأوساط والساحات والمؤسسات والمجامع، ما بين أصحاب صمت مطبق خوفًا على مصلحة أو مداهنة طمعًا بالاقتراب خطوة من أحزاب السلطة، وما بين متوهمين يظنون أن الحزم في الدفاع عن الصحابة – رضي الله عنهم – وتبرئة تأريخ الأمّة مما يُلصق به من أكاذيب؛ يصب في صالح المسيء ويروج له ويجعل منه ندًا، في تصور أقل ما يمكن وصفه بأنه وهم مدجج بالسذاجة، لأن “المالكي” ومن في زمرته من الطائفيين أعلنوا حربًا قذرة على مقدسات الإسلام وحملة لواء شريعته، وسواء كانوا ندًا أو لم يكونوا فإنهم عدو صدق عليه الشيطان ظنه، ولا سبيل لكبحه إلا بمواجهة معلنة، ذات مواقف واضحة لا تشوبها تقية، وأفعال صريحة لا تلتحف غطاءً أو تتوارى خلف جدان “الدبلوماسية” الواهية، والله غالب على أمره.

Similar Posts