الديمقراطية العمياء

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

لو كانت الديموقراطية مبصرة لاختارها الله سبحانه نظاما سياسيا لشعوب الأرض وحكمها وطريقة للمسلمين، أو لذكرها أو ما يشبهها بطيب، لكن الله تعالى ذكر الشورى والبيعة، وقد كتبت في ذلك سابقا (ويعيبون على الإسلام)، (الديموقراطية والتحضر أيهما الأولى والأهم) ولا أريد أن أعيد هنا فأجعله مقالا دينيا ولا اجتماعيا، بل مغزاه سياسي وغايته الاهتداء.

قلت إن الله ذكر الشورى والبيعة وحث عليهما وامتدحهما كنظام للحكم وطريقة لضبط الولاء والطاعة والامتثال والمساندة على الحق والسلام و إدارة الأمور ، و الشورى -دون تفصيل- تحصر أمر تقرير تنصيب الحاكم و أولي الأمر و صلاحية ذلك بأهل الحل والعقد من الناس وعقلاء الناس ورؤسائهم ، وليس كل من هب و دب ، ستقول لي ان الغرب مشى على الديموقراطية منذ قرن ونجح ، ولو أن جواب هذا طويل وكما قلت إني بينته في مقالات خاصة بذلك، ولكني أرد هنا على عجالة، فمن قال إن نجاح الغرب ناتج عن الديموقراطية في انتخاب الحاكم، فكم من حاكم فاشل أو فاشي أو فاسد أو أحمق أو جاهل أو عنصري قد أوصلته الجماهير الغربية عن طريق الديموقراطية إلى سدة الحكم، لكن الذي منع الغربيين من الانزلاق كما ننزلق، هي المؤسسات التي تدير البلاد بمعزل عن مزاجات هذا الحاكم وتوقفه أحيانا وتعزله، وهذه هي “الشورى والبيعة” بصورتها الأخرى حيث البرلمانات ومجالس الشيوخ هي شورى، واختيار العقلاء والحكماء من الناس في تلك المجالس من قبل جماهيرهم هي بيعة، وإلا لانهدت تلك البلدان ،

وهذا يقودنا إلى الشق الثاني ,,

•• الديموقراطية الحمقاء

فلو أن الأمور سلمت في اختيار الحكام إلى الحمقى والجهلة والسوقة، لنتج عنها صعود ممثليهم الذين ارتضوهم من نظرائهم الجهلة والفسدة والمنتفعين، ثم إن مجتمعا مثل مجتمعنا تسوده العشائرية والصنمية المذهبية والتغييب الديني والانتماءات المناطقية، لابد ينتج نظاما غبيا أحمقا مثله، تلك الشعوب الواعية التي تمارس الحكم الديموقراطي اليوم ، بالإضافة للمؤسسات التي ذكرتها في الشق الأول، وكيف تحمي نزاهة وصلاحية أعلى الهرم وتحافظ عليه من المزاجيات والعبث أو رغبة الاستبداد، كذلك فإن كثيرا منها يحيل الأمر بعد استطلاع رأي الشعب وعوامه إلى (كلية ناخبين) هم أعلى طبقات الوعي النخبوي والصناعي والتجاري و رجال الفكر والعمل، ليبتوا أخيرا ويوازنوا الأمر قبل التأمين على رأي العوام، ثم إن تلك الشعوب ولو لم يحصل فيها مثل هذا الأمر فإن عدم وجود المناطقية والمذهبية والعشائرية والصنمية بين أفرادها كفيل بتحصين الديموقراطية “عندهم” من عبث الحمقى والفاسدين، وطموحات الجهلة والانتفاعيين.

••• الديموقراطية المهلكة

لذا فوصولًا إلى الشق الأخير من هذه الرحلة القصيرة ، فإن الديموقراطية بشكلها الأعمى الذي ذكرت وأشرت و بشكلها الأحمق الذي فصلت وبيّنت، وهذه تكون في أعلاها و أوضحها في شعوبنا التي ما إن تخرج من الاستبداد العلماني حتى تدخل في التغييب الديني، ثم إلى الاتباع الصنمي ثم إلى العاطفة العشائرية، ثم إلى التنافس وحب الاستحواذ والرئاسة من كل طرف وفئة، ثم حب الثأر للماضي والانتقام، ثم حب المظاهر والاستعلاء كل على فئة أخرى من بلدها و حتى من داخل قومها، هنا يختفي صوت العقل الذي تحمله النخب ويطغى صوت الجماهير وروح القطيع ووجوب اختيار فلان لقرابته أو فلان لمرجعيته أو علاّن لمحسوبيته، و يختفي أثر التخطيط الذي تحمله الكفاءات ليطغى عليه صوت العنصرية والعصبية و حب الفوز بالغنيمة، ويختفي صوت الدين الحق أو الفكر الحق أو الوطنية الحقة ليطغى عليها تقديس فلان وطاعة فلان.

والجماهير حينئذ-وقد أوكل إليها مورد الأمور، وهي على هذه الشاكلة مما وصفنا جهلا وعمى وحماقة وتعصبا واصطفافا – لا شك لا يخرج منها إلا الفوضى، وإذا غابت شورى أهل الحل والعقد وغابت بيعة العقلاء والحكماء ولم يعتبر لرأي المتخصصين الوطنيين غير المؤدلجين، فلن ينتج جماهير “الديموقراطية غير الناضجة” هؤلاء إلا الزلل والخلل والنتائج المهلكة.

Similar Posts