العراق في مؤشر الشعوب الغاضبة لعام 2022

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تمر الشعوب الحرة بمراحل عصيبة وأوقات حرجة تنعكس على طبيعة الحياة المجتمعية وتتأثر بها سلوكية وصفات أبناء الوطن وتكون انعكاسا واضحا للأوضاع العامة التي تمر بها البلاد، ومن هنا تتأتى أهمية مراعاة الحالة المعاشية والمنظومة الاقتصادية التي تعمل على رسم معالم ومظاهر الإعمار والبناء والاهتمام بالبنية التحتية وإقامة المشاريع التنموية واستثمار ثروات البلاد بما يحقق قفزات نوعية نحو تقدم ورقي البلاد وتعزيز روح التعاون والانسجام بين جميع مكوناته والحفاظ على صورة التناسق والتماسك الاجتماعي الذي يحقق الغاية الكبرى في تدعيم مجال الأمن القومي والوطني ويعزز من مفهوم ودعامة الجبهة الداخلية وحالة الأمن والاستقرار والسلم الأهلي الذي يعول عليه كثيرا في إدامة روح التآزر والتعاون بين جميع  أفراد المجتمع.

لا يمكن تحقيق هذه الرؤى الميدانية والأهداف الاجتماعية إلا عبر منظومة سياسية لها أهدافها الميدانية وأفكارها النيرة ومبادئها الحقيقية وقربها من الشعب وأن تكون ممثلة له وتحقق غاياته وأهدافه في الحياة الحرة الكريمة والنهوض المجتمعي الذي يبنى على ركائز متينة وأدوات صادقة وأيادٍ أمينة غايتها إسعاد المواطنين وإدخال البهجة والسرور إليهم وتعزيز الثقة الداخلية فيهم وبناء الإنسان وفق الأسس الصحيحة والمبادئ القيمة والأهداف السامية التي تعتبره النصر الأساسي في بناء وتقدم المجتمع والركيزة الفعالة في البناء والأعمار والازدهار والنهوض العلمي والتقني  وتقدم البلاد وتسخير جميع الطاقات من أجل استيعاب الجهد الشبابي والإبداع الشعبي .

وإذا ما أخذنا أخي القارئ الكريم الظروف القاسية والأحداث الدامية التي مر بها أبناء الشعب العراقي بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان عام 2003 والأوضاع المأساوية التي عانت منها قطاعات الدولة وانعدام سبل العيش الكريم وضياع ونهب ثروات البلاد وانعدام مفهوم الاستقلال السياسي والاقتصادي والتأثير على الروح المعنوية والنفسية التي عاشها المواطن العراقي وما آلت إليه نتائج الاحتلال الأمريكي وأعماله التخريبية وسفكه للدماء وقتله الأبرياء واعتقاله لأبناء الوطن الجريح من المقاومين الأصلاء والرافضين لتواجده وتبعيات الاحتلال التي سمحت لأدوات ووكلاء النظام الإيراني وميليشياته المسلحة بالتواجد داخل الأراضي العراقية والدعم الذي تلقته هذه الفصائل من قيادة الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس والآثار السلبية والممارسات الخاطئة والإجراءات التعسفية التي قامت بها ضد أبناء الشعب العراقي جميعها ساهمت في رسم صورة قاتمة لفترة مظلمة وسعت إلى إيجاد بؤر للفساد المالي والإداري وشبكات لتجارة المخدرات وسرقة المال العام وتهريب الآثار وتبيض الأموال العامة، كل هذا كان من الأسباب الرئيسية التي جعلت شعبا كريما معطاء مثل الشعب العراقي الذي عرف بشجاعته وبسالته وكرمه وسخائه وثوريته وابتساماته وتفاعله وعشقه للحياة والتطور الحضاري والتقدم العمراني يعيش حالة من الاكتئاب والحزن والألم بعيدا عن مفاهيم السعادة والرخاء في بلد يعتبر ثاني بلدان العالم في احتياط النفط ورابع مصدر للطاقة وتصل وارداته المالية الشهرية من صادرات الطاقة حسب آخر إحصائية لوزارة النفط العراقية نهاية شهر حزيران 2022  بلغت (11)  مليار دولار ، فأين تذهب هذه العوائد المالية وما هي الأدوات والبرامج والخطط الاستثمارية والتنموية التي وضعت للعمل والإنتاج التنموي والاستفادة من هذه العوائد الوفيرة ؟؟ .

عند قراءتنا للتقرير السنوي الخاص بمؤشر الشعوب الغاضبة الذي أصدرته شركة الأبحاث العالمية ( غلوب) في شهر حزيران 2022 وعندما نطلع على التباين النسبي للدول التي تضمنها هذا القياس والبالغة (100) دولة نرى أن العراق قد أتى في المرتبة الرابعة عالميا بصدارة الشعوب شعورا بالحزن والتوتر والغضب ، والقطر العربي اللبناني في المرتبة الأولى وتتبعه تركيا ثم أرمينيا فالعراق،  ويقدم التقدير الذي يغطى النصف الثاني من عام 2021 وبداية عام 2022 على دراسة واستبيان خمس أسس رئيسية هي حالات التوتر والغضب والقلق والألم النفسي والظروف التي يمر بها الشعب ، وعندما يكون الشعب العراقي في مقدمة الشعوب المقهورة اجتماعيا فإن ذلك يعود لأسباب عديدة أهمها الأوضاع السياسية القائمة وانعدام حالة الاستقرار الداخلي وعدم وجود رؤية ميدانية لكيفية إدارة المنظومة الحاكمة وتعدد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانتشار حالات الفساد الإداري والمالي وارتفاع نسبة الفقر إلى 30% مع عدم وجود فرص حقيقية للعمل في أوساط الشباب لتبلغ نسبة البطالة  25% في بلد يبلغ عدد سكانه (41)مليون نسمة وانعدام الأفق في عملية الإصلاح والتغيير وإيجاد الحلول الجذرية والرؤية الميدانية لمعالجة الأزمات المستديمة،  وقد أثرت هذه الظواهر والأزمات على نفسية وروحية المواطن الذي بدأ بالتذمر والغضب والتوتر اليومي وشعوره بعدم وجود أليات واضحة لمعالجة التدهور اليومي في حياته وأصبح يعيش حالة من اليأس والقنوط والخوف من المستقبل القادم وفقدان الثقة في جميع الوعود التي يتحدث بها المسؤولين في أحزاب السلطة أو القائمين على متابعة شؤون الدولة في مؤسساتها ووزاراتها أبدا غير قادر على تصديق أحدهم،  وأصبحت العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي وساهم في دعمها وإسنادها وتقديم كل السبل الكفيلة ببقائها وجعلها قائمة على أسس غريبة وبعيدة عن أخلاقيات وسلوكيات المجتمع  العراقي والمتمثلة بالمحاصصة الطائفية والسياسية والتي رأى فيها المشروع الإيراني  ضالته التي كان يسعى إليها في تعزيز تواجده ونفوذه على الأرض العراقية وتدخله في الشؤون الداخلية بل عمل على رسم ملامح الحياة السياسية واختيار تشكيلة الحكومة العراقية والتأثير على طبيعة العلاقة القائمة بين أطراف المجتمع العراقي،  وهي العملية التي شكلت عبئا ثقيلا على كاهل المواطن العراقي الذي أيقن حقيقة عدم جدواها بعد عقدين من الزمن تضمنت تشكيل عدة حكومات لم تتمكن من الارتقاء بالمستوى المعاشي والاقتصادي للبلاد وأصبحت بعيدة كل البعد عن آمال وتطلعات الشعب العراقي،  ولهذا جاءت نسب مؤشر الشعوب الغاضبة لتكون معيارا ميدانيا وصورة حقيقة لما يعانيه أبناء العراق.

Similar Posts