مقدسيات
بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني
سؤاللماذا أمر الله تعالى رسوله والذين آمنوا معه أن يصلوا الى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة في مكة والكعبة المشرفة أمام أنظارهم، وبضعة عشر شهراً في المدينة المنورة قبل أن تُنسَخَ القبلة الأولى ؟!إنه تجذير لقضية القدس في الإسلام وأن حرمته لا تقل حرمةً عن المسجد الحرام، وأن تحريره من يد الصهاينة لا يقل أهمية عن تحرير مكة من كفار قريش في عام الفتح.لقد جمع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم جميع الأنبياء والمرسلين فصلى بهم إماماً وقبلتهم جميعا كانت بيتَ المقدس، ليبينَ للمسلمين بأن بيت المقدس هو أمانة جميع الأنبياء والمرسلين عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن تحريره من الكفار والمشركين والذود عنه واجب شرعي.أُسريَ برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس. وعُرِج به إلى السماء من بيت المقدس.وأُعيدَ الى الأرض الى بيت المقدسوأُعيدَ إلى مكة المكرمة من بيت المقدسكل ذلك ليجعل الله تعالى بيت المقدس جزءً لا يتجزأ من الإسلام وأن حرمته لا تقل عن حرمة بيت الله الحرام. قال صلى الله عليه وسلم ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) متفق عليه.فالمساجد الثلاثة متكافئة في حرمة اغتصابها، وفي وجوب الدفاع عنها، ومتفاوتة في المكانة فأعلاها مكانةً المسجد الحرام، ثم الحرم النبوي الشريف ثم المسجد الأقصىوبما أن المساجد الثلاثةالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى متكافئة في حرمة احتلالها ووجوب الدفاع عنها بوجه كل معتد أثيم عليها، فإن من طبَّع مع المحتل الصهيوني المحتل للمسجد الأقصى يرى _قطعاً_ جواز التطبيع مع المحتل للمسجد الحرام او المسجد النبوي إذ لا فرق في حرمة التطبيع مع المحتل لأي مسجد من المساجد الثلاثة على حد سواء.من طبَّع مع المحتل الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى السليب فقد خالف الإجماعَ على أنه لا يجوز التنازل عن شبر واحد من أرض الإسلام عموماً، وللمساجد الثلاثة خصوصاً لكافر محتل وغاصب، وأن جهاد الدفع لهذا المحتل واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة.ومن طبَّع مع المحتل الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى فقد خالف المقاييس القانونية الدولية، فإن مواثيق الأمم المتحدة وبنودها في تقرير الحق العام للشعوب في التحرر والاستقلال تنص على مشروعية دفاع الشعوب عن نفسها بوجه كل مغتصب لأرضها بكل الوسائل المادية والمعنوية والإعلامية المتاحة.ومن طبَّع مع المحتل الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى فقد خالف المقاييس الأخلاقية، فإن المروءة والشهامة تأبى لكل حرٍّ وشهمٍ وشريفٍ أن يسكت عن حق مغتصب له، وأن مروءته وحريته تستلزم أن يستردَّ ذلك الحق المغتصب وان اقتضى هذا الردُّ لذلك الحق أن يموت في سبيله.ومن طبَّع مع المحتل الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى فقد خالف المقاييس العرفية، فإنه جرت أعراف الأخيار وعادات الأصلاء أن لا يناموا عن ضيم أو حيْف أو حق مغتصب حتى يُنتَزَعَ من براثن وأنياب المغتصِب.ومن طبَّع مع المحتل الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى فقد خالف المقاييس الفطرية فإن الله تعالى قد فطر كل خلقه على رفض اغتصاب أحد لأرضه أو بيته أو وَكرهِ أو عُشِّه.فمن جرَّبَ الاقتراب من خلية نحل أو خلية دبابير، لينال حظه من اللسع واللدغ والوخز دفاعاً عن تلك المساكنَفإذا كانت الطيور والدوابُ تأبى ذلك الاغتصاب والاحتلال للعُشِّ أو الوَكْر أو المغارة، فإن الإنسان العاقل اللبيب الكريم العزيز أولى برفض ذلك الاغتصاب والاحتلال والانتهاك للأرض والعرض والمال.ومن طبَّع مع المحتل الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى فقد خالف المقاييس الاجتماعية، فإن كل المجتمعات الإنسانية تأبى أن يحتل أحد أرضها أو يغتصبها ويتملكها ويطرد أهلها منها.فكل مطبع مع المحتل الصهيوني الغاصب قد خالف الشرع والعقل والمنطق والأعراف والعادات والتقاليد الدولية والإنسانية والفطرية والجِبلِّية التي فطر الله تعالى عليها جميع خلقه، فيكون في مثل هذه الحالة أسوأَ من الدواب والأنعام والطير والحشرات. قال الله تعالى في سورة الفرقان:((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44).حينما نتكلم عن جريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى فإننا لا نتكلم عن مشكل من مشاكل الفهم السليم لها. ولا عن معضلة من معضلات التصور السوي لها. ولا عن مسألة معقدة من مسائل الفلسفة أو المنطق أو علم الكلام. ولا عن متشابه من المتشابهات الفكرية التي قد تشتبه على بعض دون بعض. إننا نتكلم عن جريمةٍ الحديثُ عنها هو حديثٌ عن ثابت من ثوابت الشرع الحنيف، وعن بديهة من بدهيات العقل والمنطق والفهم السليم، وعن مُسلَّم من مُسلَّمات الفطرة، وعن بند من بنود القوانين والمواثيق الدولية.كثير من المسلمين لا يُفرِّقون بين جواز الاتفاقات والمواثيق والمعاهدات الدولية بين الحكومات المستقلة بعضها عن بعض وهذا لا حرج فيه ولا مانع، وبين التطبيع واتفاقيات السلام بين بعض الدول الإسلامية وبعض العصابات والمافيات المحتلة لأرض الإسلام كالصهاينة أو الاحتلالين الأمريكي والإيراني للعراق أو الحوثيين المحتلين لليمن، فهؤلاء يحرم التطبيع معهم لأنه اعتراف باحتلالهم لأرض الإسلام وهو محرَّمٌ بالإجماع الذي فرض على المسلمين جهاد دفعهم عن آخر شبر من أرض الإسلام.