القدس.. في أسبوع الإسراء والفتح
بقلم : جهاد بشير
للعام الثاني على التوالي تتربع القدس على عرش الاحتفاء وهي مزدانة بمسجدها الأقصى المبارك، وأحيائها الصامدة الجسورة، وأبوابها العصية على الخنوع، ومرابطيها ذوي الإصرار والثبات؛ في أسبوع لإحياء الكثير من القيم والمعاني التي ترتبط بحقيقة المدينة المباركة، ومكانتها عند المسلمين وقضيّتها التي لا يصدّ عنها إلا هالك.يأتي أسبوع القدس العالمي هذه المرة، وجحافل من العلماء ومؤسساتهم تملأ ساحات الرأي والإعلام؛ بالفكر والثقافة، والعلم والعمل، والهمّة والإرادة، فضلاً عن التأصيل الشرعي الذي يعد المنطلق الأساس لكل فكرة في فعاليات هذا الأسبوع الذي لم تحل دون إقامته حواجز جغرافية، أو اختلافات فكرية، أو معوقات تقنية.وإذا كانت تجربة العام الماضي ناجحة بجميع المقاييس المتبادرة إلى الذهن حالة التقييم، كونها خطوة وليدة وتجربة غير مسبوقة جاءت في سياق إمكانيات محدودة لم تستطع كبت طاقات الشباب وحماستهم، أو تثبط همّة الشيوخ وعزيمتهم؛ فإن الجولة في العام الحالي أكثر إتقانًا وأنجع أفكارًا، وأكثر تجمعًا، وأوسع مدى، ولا شكّ بأن جودة النوع في أنشطة هذا العام إنما هي ثمرة جهد العام الذي سبقه، ونتيجة لمعطيات طرحت آنذاك وحان حصادها اليوم، فأعظِم بمن أتقن الزرع، وأنعِم بمن رعى، وأكرم بمن أحسن القطاف.يأتي أسبوع القدس العالمي متزامنًا مع ذكرى حادثة الإسراء والمعراج بوصفها مشكاة عظيمة في عقيدة المسلمين وتاريخهم، فقد حصلت بعد سنوات من الشدّة واجهها المسلمون في العهد المكّي من الدعوة الإسلامية ولا سيّما بعد حصارهم في شعب أبي طالب، ويأتي مواكبًا لذكرى فتح صلاح الدين الأيوبي الذي هيأه الله له بعد عقود طويلة من سطوة الاحتلال الصليبي على بيت المقدس؛ وفي ذلك ما يعطي الأمّة من مبشرات ومقاربات بأن نصر الله غير بعيد رغم اشتداد الأزمات ورغم تفاقم الأحداث، وفي ضوء ذلك استشرف أهل العلم هذه المعاني فجعلوا من أواخر شهر رجب المحطة الموسمية المختارة لبعث روح الأمّة من جديد في تأصيل وتفخيم قضية القدس والمسجد الأقصى في أيّام قليلة العدد ثقيلة الأحمال والعُدد.إن الاقتصار على فعاليات أسبوع القدس إنما هو جهد المقل والحد الأدنى جدًا من واجب المسلمين تجاه واحدة من كبرى القضايا المركزية في هذه الأمّة، وإلا فإن تبنّي قضية القدس والمسجد الأقصى تعريفًا ونصرة؛ واجب شرعي وعقلي وإنساني من أجل أن تبقى حيّة في عقول وقلوب الناس جميعًا.إن القضية الفلسطينية ليست الوحيدة في حسابات الأمة ولا صاحبة الأولوية المطلقة بين القضايا الأخرى، فإن واقع حال المسلمين يؤكد أن جميع قضاياهم كبرى ولا يصح تقديم واحدة على أخرى، بل الأصل أن تُواكَب جميعُها في آنٍ، وتعالج كلّها من جميع الزوايا، ولكن العراقة التي تحفل بها قضية القدس والأقصى تجعلها صاحبة شأن خاص، ومرجعًا تؤوب إليه تجارب القضايا الأخرى، ولأجل ذلك حرص العلماء على أن يكون أسبوع القدس نواة لمشروع الأمّة الكبير، ومنطلقًا نحو هذا الهدف.إن تكالب العدو – على اختلاف أنماطه وأشكاله – في حربه على المسلمين في شتى بقاع الأرض وتماديه في طغيانه وجبروته وجرائمه؛ تجاوز كل الحدود والقيم ولم ؛ في وقت تخضع الأمة تحت سطوة كبرى من الضعف وأمواج عاتية من المشكلات التي تتعقد يومًا بعد آخر، والأزمات التي تتمادى كل حين؛ ظرف يفرض واجبًا وقتيًا على الجميع، وفرضًا عينيًا على كل مسلم، ولعل أول خطوة في ذلك الاجتماع والعمل على وحدة الرأي والموقف والهدف، وفي أسبوع القدس العالمي مظان لهذه المقاصد.إن ضعف الأمّة لن يستمر طويلًا، فمهما فعل العدو فإن ذلك لن يثني الطائفة من المؤمنين الظاهرين على الحق الذين لا يضرهم من خذلهم؛ عن المضي في طريق الاستعلاء بالإيمان، ولن يزلزل ثباتهم أو يوهن صبرهم معوقات مثبطين أو مطبات المتساقطين، وكل ذلك مرجعه إلى وعد الله تعالى الذي تعهد لأهل الإيمان بالتمكين إن هم عملوا بأسبابه.