المزماران (المنشاوي والحافظ خليل)
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
هناك من الاصوات ما تنبهر بها وتحبها لفترة ثم تمل منها أو تنساها أو تتحول لغيرها ممن يستجد في ساحة التلاوة القرآنية الفسيحة، ولكن مثل صوتيهما -تألفه الأذن ويتعلق به الوجدان ويتحول إلى حالة إدمان لا غنى عنها- لن تجد، إنهما الشيخ محمد صديق المنشاوي والحافظ خليل إسماعيل (رحمهما الله).كان الحافظ خليل يسخر مقاماته للتجويد ويطوع قراءة آيات الله لنغم المقام دون تغني وكما هي عادة مدرسة العراق، وكان المنشاوي يشاركه هذه الميزة المهمة مفترقا عن عموم قراء مصر الأعلى كعبا بين أقرانهم من العرب والمسلمين. فالمنشاوي ملك كل القلوب بمقام واحد ولم يعجز عن بقية المقامات ولا هجر القراءة عليها، والحافظ ملك القلب بكل المقامات ولم يشتهر بإحداها.كل من سميعتهما يخشعون، فلأحدهما باكين مطرقين، وللآخر منبهرين مرجعين. فهما يصبان من روحيهما أسوة بصوتيهما على آيات الله المعجزات فينفذان إلى الروح قبل الآذان.ومما يختلفان فيه رغم علو المكانة التي يحتلانها بين أترابهما أن الشيخ المنشاوي لا يمثل كلَّ قراء مصر لأن قراء مصر متنوعون وكثيرون وأساليب قراءاتهم تكاد تكون مختلفة ومنفردة أحدهم عن الاخر، ولديهم مدارس عديدة في القراءة إذ أنهم الأضخم بين بلدان العرب والمسلمين على الأرجح في “جانب التجويد بطبيعة الحال” وليس الترتيل الذي يتربع على قمته قراء بلاد الحرمين دون منافس ودون شك. ولكن الحافظ خليل يمثل كل قراء العراق، فالطريقة العراقية (البغدادية وأخواتها) التي تعتمد الحزن والشجن والأصوات الواسعة العميقة المتهدجة التي تميل طبعا دون اصطناع إلى العمق هي واحدة تقريبا بعمومها وإن تفرق قراؤها أسلوبا، بينما-وهنا نقطة تجدر الإشارة إليها- فـ قراء مصر يغلب عليهم الأصوات الأرفع طبقة وهذا أعطاهم ميزة أخرى وهي التباري بطول النفس للمقطع الواحد من القراءة الذي قد يمتد إلى ثلاث آيات كريمات قصيرات أو أكثر وأحيانا من الآيات الكريمة الطوال. وهذا يندر عند قراء العراق أو يكاد ينعدم. ويفرق المنشاوي عن أقرانه من قراء بلده باعتماد صوته كثيرا على جانب النغمة الرجولية الباكية المصاحبة للتجويد المصري العريق المميز، وهنا يلتقي مع قراء العراق، ولذا تجد أغلب العرب الذين يسمعون المنشاوي لديهم ردة فعل إيجابية عند سماع قراء العراق مصادفة وبالخصوص الشيخ الحافظ خليل إسماعيل رحمه الله، والعكس صحيح فيما يخص جمهور العراقيين المولعين بالحافظ خليل إذا أرادوا الانتقال إلى سماع القراءات المصرية فسيقعون على الشيخ المنشاوي-تغمده الله برحمته- كأول اختيار. وهذا بعيدا عن التصنيف العلمي لصوتيهما إن كان من (ألتو) وهو أعلى الأصوات الرجالية النادر، أو (التينور) وهو الصوت الرجالي العالي، فلعل كليهما من (الباريتون) وهو صوت في الوسط بين التينور (والباص) الذي هو الصوت الغليظ القادر على أداء الطبقات الموسيقية المنخفضة. فهذا عمل أهل الاختصاص.•صوتان عربيان من السماء والمنشاوي والحافظ خليل يتشابهان كثيرا في نقطة اختلافهما. الحافظ يقرا كل المقامات ويجود عليها والعراقية منها على وجه الخصوص وتخشع بها معه، والشيخ المنشاوي يقرأ بعض المقامات ويبرع فيها دون شك ولكنه تخصص وتفوق في “النهاوند” ويكاد يخطف قلبك عند قراءة آي الكتاب الكريم عليه، ويلتقيان في هدوء الطباع والعفوية الصوتية والتجويدية فلا ضغط على الأوتار ولا كتم للنفس ولا مبالغة في التطويل إنما هي قراءة منسابة يبرز حلاوتها الصوت المجرد كأنه مزمار لا يأخذ أنغامه إلا من نفخة هواء.والمنشاوي هو القارئ الوحيد الذي انتقلت إليه الإذاعة المصرية في أعماق الصعيد بكامل معداتها وطواقمها ومهندسيها -كما يروى- لكي تطلب منه الانضمام إليها، وذلك بعد أن رفض أن يذهب للاختبار حتى يتم اعتماده قارئا رسمياً قائلا : “لست بحاجة إلى شهرة الإذاعة” فما كان جواب خبراء الإذاعة إلا أن قالوا: إنّ هذا الرجل من العيب أن يُختبر ومن التقصير ألاّ يصير أحد قُرّاء الإذاعة المصرية حتى ولو ذهبت الإذاعة بنفسها إليه. الصوت الباكي الخاشع الذي سخر عمره القصير لخدمة القران العظيم الذي أتم حفظه وهو صبي على يد والده المقرئ وجده المقرئ أيضا، وقد سجل الشيخ المنشاوي ختمة كاملة للقرآن العظيم بصوته اعتمدت كنسخة تعليمية لدقتها وصفائها، وكذلك الحافظ خليل –كما يروي هو بلسانه- القارئ الوحيد الذي كان يقرأ وهو شاب أمام القراء المصريين الكبار الذين كانوا يتوافدون على بغداد كثيرا آنذاك وقد حفظت أهم تسجيلاتهم في الإذاعة العراقية الرسمية مثل الشعشاعي وعبد الباسط وأبو العينين الشعيشع الذين عاصر كهولتهم المؤثرة في عالم النغم القرآني حتى روى شهود عيان أنهم أحبوه كثيرا وأنه بعد قراءة الحافظ للختمة العراقية الشهيرة الخاصة قال له الشيخ عبد الفتاح : “هذه القراءة بركة يا شيخ خليل، بالله عليك سجلها لي” ، و قال المصريون عند سؤالهم عن رأيهم في الحافظ و قراء العراق ، “و الله لقد اعتديتم عليهم باستدعائنا فليتنا نقرا مثلهم”.يقول الحنفي عن ذلك اللقاء: “وقرأ الحافظ خليل ساعة كان كل دقيقتين منها بنغم”. وقد دخل الإذاعة الرسمية شابا مفتتحا بسورة غافر على الهواء فثبت فيها منذ ذلك الحين وطارت شهرته.والحافظ خليل الذي سماه استاذ المقام محمد القبانچي “بستان الأنغام” العراقية الأصيلة هو الذي أدخل جميع الأنغام العراقية للتجويد، ويذكر أنه الوحيد وإلى الآن الذي يتمكن من أداء نغم أو مقام “الزنكران” من بين القراء.وتواضع القراء العراقيين الكبار أمثال الحاج علاء الدين القيسي والحافظ صلاح الدين والحاج محمود عبد الوهاب كان مذهلا أمام الحافظ خليل رغم إنهم قراء مهمون فقد كانوا يدينون له بالتقدم والتمكن من تلك الصنعة المباركة. ومن شدة ما اعتاد أن ينود بظهره في التجويد تراه يفعل ذلك حتى في كلامه المرسل، وفي أثناء اللقاء المباشر والطلبات الارتجالية تجد معنى الاستسرسال على أصوله والعفوية والسيطرة الحقيقية، فقد كان رجلا عجيبا حقا، كلما طلب منه المقدم نغما أو مقاما بالاسم خرجه وأصله بتحريره وجلسته ثم أداه بمثل من القرآن الكريم الذي حفظه وهو في السادسة عشرة من عمره.ولطالما قادتني أقدامي وأنا طالب عبورا من جامعتي في باب المعظم قاطعا جسر الطب لأسمعه وأراه وأسلم عليه مع ثلة من أصحابي في جامع الشيخ صندل في جانب الكرخ من بغداد و الذي انتقل إليه بعد جامع الشيخ عمر السهروردي في جانب الرصافة.كانت قراءة الشيخين المنشاوي والحافظ خليل تصويرية أو تمثيلية لمعاني الآيات تؤثر في السامعين فكان الحافظ يفصلها أن كانت تهديدا أو وعيدا قرأها بمقام خاص ونغمة وعيد، وإن كانت عن قصة حزن اختار لها مقاما ونغما حزينا، وهكذا للاستغراب والتعجب والاستنكار في آيات الذكر الحكيم المعجز ، فقد كان يجاري بصوته حدث الآية أو هدفها، وكذلك اشتهر الشيخ المنشاوي بكل هذا وبرع فيه أيضا رغم تقيده بمقام واحد في القراءة الواحدة أو مقامين لا غير، وهذا ينبئك عن مدى تمكن المنشاوي من تسخير صوته نغميا ليبرز كل هذا التصوير ويؤثر في سامعيه من مقام واحد بينما هيأت المقامات العراقية وتنوعها واتقانها والتنقل بينها فرصة أسهل للحافظ رحمه الله في أن يؤدي ذلك بيسر. والسبب في ذلك قوله: إنني عندما أقرا القرآن الكريم أجعل أمامي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا).رحم الله الشيخ محمد صديق تايب المنشاوي والحافظ خليل إسماعيل عمر الجبوري ،، فكأنهما قارئان من الجنة.
وربما يكون الحافظ خليل القارئ الوحيد الذي يقطع النغمة لصالح تتبع أحكام التلاوة وقفًا أو وصلًا، فهو لم يترخص من تلك الأحكام لصالح النغمة وانتهائها بما يشتهيه القارئ ناشدًا التأثير النغمي على الجمهور، بل يقطع عند وجوب القطع ثم يستأنف بنفس جديد والغريب أن هذا لم يؤثر يوما على جمال نغمته وحسن تحريرها على عكس ما لو فعل ذلك قارئ آخر لكان فقد إحدى الميزتين. اللتين استطاع الشيخ المنشاوي والحافظ خليل الجمع بينهما ببراعة وخشوع بينين ندعو الله أن يجمع لهما الغفران والجنة بحوله وفضله وكرمه، ذاك أنهم يعتبران المتلقي منصتا وليس مستمعا