العملية السياسية.. مجازر متلاحقة وإفلات من العقاب
بقلم : جهاد بشير
يشير واقع العراق ومجريات أحداثه إلى أن مجزرة جبلة التي راح ضحيتها مدنيون جلّهم أطفال ونساء دون وجه حق؛ لن تكون الأخيرة؛ لأن السلطات في البلاد أعجز من أن توقف الانتهاكات التي باتت محل اقتيات الميلشيات وأجهزة الأمن الطائفية، لا سيّما وأن هذه الأخيرة هي الوسيلة المستعملة لإبقاء حالة الفوضى في البلاد أطول أمد ممكن لتكون أرضيتها سهلة لمزيد من الصراعات القائمة على جني المكاسب وتحصيل المغانم.وقعت مجزرة جبلة في محافظة بابل مثلما سبقتها مئات المجازر والجرائم والانتهاكات على مدى العقدين الماضيين، وهي لا تختلف في حقيقتها ولا في مآلاتها إلا في المكان والتوقيت، وإلا فإن الجاني واحد، والضحية واحد؛ والقضية في كل مرة نفسها، وحيث لم تنجح حكومة الكاظمي في أي جزئية شهدها العراق بعد مجيئها؛ بل زادت الأوضاع سوءًا واسودادًا؛ فإن كل ما يُعلن في أبواق الحكومة وإعلامها الرخيص لا يعدو أكثر من مجاراة لعاطفة العراقيين الذي اجتمعوا مرة أخرى في الرأي والموقف المناهض لأجهزة الأمن والميليشيات إزاء سلوكها الإجرامي ومنهجيتها الإرهابية حينما توظف الطائفية مسارًا لمنهجيتها، وبات العراقيون مُجمعين على أن تداعيات هذه الجريمة وصمة عار في جبين حكومة بلغ العجز منها مبلغًا أوصلها أعماق الحضيض.إن التعويل على رأي عام أو رسمي إقليمي ودولي، أو البحث عن موقف حقيقي وعملي من منظمات حقوق الإنسان العالمية المشهورة بنفاقها ومحاباتها حكومات بغداد المتعاقبة؛ لا يجدي نفعًا في البحث عن سبل الحل والخلاص من هذا الواقع اللئيم الذي يغشى العراقيين ويُضيّق الخناق عليهم يومًا في إثر آخر، فما دام مصدر وعلّة هذه المجازر قائمًا ويحظى باعترافات ويُتعامل معه فلن يكون لأي شكل من أشكال الحل النظرية وجه معتبر؛ وليس أمام العراقيين الذين فطنوا إلى أساس المشكلة ووعوا أسباب ما حلّ بهم من لأواء وضنك طول هذه السنوات؛ إلا بالإجهاز التام على منظومة العملية السياسية التي توصف بأنها المجزرة الرئيسة بحقهم جميعًا.إدراك العراقيين سبب المشكلة ظاهرة إيجابية تمت ترجمتها عمليًا بمقاطعة الانتخابات والإعلان الصريح عن رفض منظومة الحكم القائمة في البلاد، التي لم ولن تستطيع أن تضبط إيقاع العمل السياسي الرصين في بلد تتحكم فيه الميليشيات وهي تأخذ أوامرها من خارج الحدود، وتتقاسم أحزاب النفوذ والسلطة ما يتبقى من فتات المغانم بعد توزيعها بين أقطاب التحكم بالعملية السياسية.هذه الترجمة والتطبيق في التعبير عن رفض النظام بمقاطعة التصويت على واحد من مخرجات عمليته السياسية رغم كونه خطوة جبارة في المشهد العراقي، إلا أنه غير كافٍ حتى الآن في صد جرائم الانتهاكات والمجازر التي تصدر عنه تجاه العراقيين، لذلك فإن إنضاج فعاليات ثورة تشرين، وتوحيد الرؤى بينها وبين ما سبقها من حراكات جماهيرية ذات طابع مناهض للعملية السياسية لا المقتصرة على طلب إصلاحات محدودة أو الباحثة عن خدمات مادية وقتية؛ ضرورة مرحلية لاتخاذ خطوة جديدة وواسعة المدى نحو تحقيق مقاصد الشعب العراقي وغاياته.إن استمرار العملية السياسية وبقائها؛ مظنّة الحصول على مجازر أخرى وجرائم مزيدة بحق العراقيين، وكل من يرجو من حكومات أخرجتها هذه المنظومة في محاسبة جانٍ أو فاسدٍ أو متورط بانتهاكات بحق العراقيين، فهو غارق في الوهم، وماضٍ نحو الوقوع في دوّامة جديدة من الغفلة التي تراهن عليها الحكومات المتعاقبة للتغطية على فشلها والتعمية على مجرميها الذين يفلتون دائمًا من العقاب عن سبق إصرار.