في النقد الأدبي … مقارنة نقدية بين قصيدتين

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

تبدأ عثرة الشاعر في نصنا هذا من مطلع القصيدة الذي أريد له أن ينافس مطلع أشهر قصيدة وربما أعظم ما قيل مدحًا لابن بنت رسول الله -عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ووصفًا لمناقبه وذكرًا لفاجعته، وهي عينية الجواهري:

فِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ ،،،، تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ

التي أقول منها للتذكير:

ورعياً ليومـك يوم “الطفـوف” ،،،، وسـقيًا لأرضك من مصرع

تعـاليتَ من مُفـزع للحتـوفِ ،،،، وبـورك قبـرك مـن مَفزع

شممتُ ثـراك فهب النسيم ،،،، نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ

والتي منها بيته الفريد:

فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ ،،،، فَذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَعِ

ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ ،،، للاهينَ عن غَدِهِمْ قُنَّعِ

ومنها تذكيرا للشعراء الذين يبغون معرفة ميزة الجواهري:

تعـاليت من صاعق يلتظي ،،،، فـان تـدجُ داجية يلمـع

تعاليتَ من “فَلَك” قُطْرهُ.،،،، يدورُ على المِحوَرِ الأوسع

فمدحه وأمه

فيا ابنَ “البتولِ” وحَسْبي بها ،،،، ضَماناً على كل ما أدّعي

ويا ابنَ التي لم يَضَعْ مِثلُها ،،،،كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع

ومدحه وأباه:

ويا ابنَ البطينِ بلا بِطنةٍ ،،، ويا بنَ الفتى الحاسرِ الأنْزَع

ثم مدحه وكل قومه:

ويا غُصْنَ “هاشِمَ” لم يَنْفَتِحْ ،،، بأزْهَرَ منكَ ولم يُفْرِعِ

نعود إلى قصيدة الفصل الحالي التي اختار شاعرها بحر المتقارب نفسه الذي نظم عليه سلفه، وربما كان هذا خطأه الأكبر في نيته، فلا هو الذي عارض الأولى فنظم على قافيتها ولا هو تركها وترك بحرها، لأن شهرة وجودة قصيدة الجواهري العصماء استقرت في الأذهان واحتلت الصدارة في الشعر العربي في بابها، وقد استحقت أن ينقش منها بماء الذهب خمسة عشر بيتًا على مدخل الضريح الحسيني، فقد أهوى شاعرنا هنا بقصيدته في مخاطر المقارنة التي لن تصب في صالحه طبعا.

 يقول في أول أبياته:

قَدِمتُ وَعَفْوَكَ عن مَقدَمي ،،،،حَسيراً ، أسيراً ، كسيراً، ظَمي

القدوم أسيرا لا تصح وإنما وضعت استطالة لترادف النغمة مع حسيرا كسيرا، فالأسير لا يقدم ولا يروح بل يؤسر ويقيد.

قدِمتُ لأُحرِمَ في رَحْبَتَيْك ،،، سَلامٌ لِمَثواكَ من مَحرَم

الإحرام في الرحبتين جميل، و (سلام لمثواك) مستوحاة من رعيا وسقيًا اللتين استخدمهما الجواهري وقد أحسن شاعرنا هنا إذ ابتعد عنهما فوقع في لفظة مكررة ولا ترقى للتين سبقتاها هناك، سيما وكما قدمنا فإن القصيدة كلها نظمت على بحر قلادة الجواهري التي لا تجارى لصدقها وأصالتها وعلو كعبها في كل جانب. والمعروف أن شاعرنا هذا لم يعش طفولته حب الحسين عقيدة كما الجواهري ولذا فالنائحة الثكلى ليست كالمستأجرة. كما تقول العرب، فبدا الفارق جليًا والبون شاسعًا.

يقول شاعرنا:

 فَمُذْ كنتُ طفلاً رأيتُ الحسين ،،،، مَناراً إلى ضوئِهِ أنتَمي

الانتماء إلى الضوء لا معنى له إلا الحشو لإقامة القافية 

ومُذْ كنتُ طفلاً وجَدتُ الحسين ،،،، مَلاذاً بأسوارِهِ أحتَمي

كان من الأقرب إليه وقد ذكر نفسه “طفلا” أن يذكر الأحضان بدل الأسوار، ولن يختلف من وزنه شيء إلا انتفاعه بسبك البيت ومطابقة المعنى، فالطفل يناسبه الحضن لحمايته وليس السور، والمعنى يجمله “أحضانا” لا (أسوارا)، وكان في يده أيضًا أن يوسع المعاني ويعددها ولو أبقى (أسوارا) لكن مع (الصيرورة كهلًا أو شابًا) أو ما يرادفها من معاني العمر الأكبر وتدرج مراحله. ولكن -وهذه إحدى عثرات الشاعر التي تلحظها كثيرًا في شعره إن أدمت قراءته فهو لا يفعل، بل وستمر علينا في هذه القصيدة لوحدها كثيرًا أيضا، وسأبين لك سببها ومنشأ ضعفها في قادم:

  وَمُذْ كنتُ طفلاً عرَفتُ الحسين ،،،رِضاعاً وللآن لم أ ُفطَمِ !

هذه تناسب الطفل لا شك و هو بيت جميل المعنى في عجزه إلا أن الضعف في صدره، فلو كان الشاعر أعلى قدرة على مسك زمام الألفاظ والتحكم بها لقال: لثمت أو ألفت فالرضاع لا يعرف من الطفل بالحكمة أو الذهن بل بالتجربة و القرب.

ويقول:

سلامٌ عليكَ فأنتَ السَّلام ،،،،وإنْ كنتَ مُخْتَضِباً بالدَّمِ

هذا البيت لا شيء عليه إلا من ناحية شرعية ربما يأخذها عليه أهل التحوطات بقولهم إن السلام بالمطلق هي صفة الله ويخاطب بها الله (أنت السلام) خصوصًا أما عندي نقدًا فلا ألومه.

وأنتَ الدَّليلُ إلى الكبرياء ،،،، بِما دِيسَ مِن صَدرِكَ الأكرَم

لا أدري لِمَ التبعيض هنا والتخصيص بجزء ما من صدره، فقد أضعف المعنى الجميل بهذا التفصيل غير المبرر فلم يدس من الصدر بل ديس الصدر كله.

وإنَّكَ مُعْتَصَمُ الخائفين ،،،، يا مَن مِن الذَّبح لم يُعصَمِ

ومعتصم الخائفين جميل لا أرى فيه ضعفًا إلا تركيب ألفاظه التي أثقلت الوزن وإن لم تكسره (من من لم)، ومن يريد الاحتجاج بالإدغام في الآية القرآنية الكريمة (،،،أمم ممن معك) مع فارق التشبيه، فليقرأ الجملتين ويفرق بين الثقل والسلاسة.

لقد قلتَ للنفسِ هذا طريقُكِ ،،،، لاقِي بِهِ الموتَ كي تَسلَمي

(لاقي به الموت كي تسلمي) المقابلة فيه ناجحة وإن كانت مطروقة في شعر العرب وليست من ابتكاره. وهي في الأصل من (اطلب الموت توهب لك الحياة) الشهيرة في وصية أحد الخلفاء لقادته وغير ذلك كثير، إلا أن ضعف الشاعر في اختيار الألفاظ وتركيبها أساء للمعنى وهذا سبيل الناظمين وليس الشعراء. والمعنى الشريف لا يكفي وحده لجودة الشعر والصورة إن لم يحوه لفظ عال كما هو رأي الجاحظ أيضا في معرض كلامه عن اللفظ والمعنى وقد ساق مثلا:

لا تحسبن الموت موت البلى ..وإنما الموت سؤال الرجال

كلاهما موت ولكن ذا ،،،، أخف من ذاك لذل السؤال

إذ علق قائلًا عنهما في كتابه وفي دعابة:

” وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرًا أبدًا ولولا أن أدخل في (الحكم) بعض الفتك لزعمت أن ابنه لا يقول شعراً أبداً”. انتهى كلامه.

وأنا هنا أرى أن شاعرنا قائل البيت المنظور السالف:

لقد قلتَ للنفسِ هذا طريقُكِ ،،،، لاقِي بِهِ الموتَ كي تَسلَمي

قد صار شاعرًا في عصرنا شئنا أم أبينا، ولكني أجزم أن ابنه لم يكن ولا أباه. فهذه الكبوة من ذلك الشكل

  أما قوله:

وخُضْتَ وقد ضُفِرَ الموتُ ضَفْراً ،،،، فَما فيهِ للرّوحِ مِن مَخْرَمِ

فإنه ينم عن شاعرية وصورة جميلة وإن تناولها كثير من شعراء قبله إلا أنه أجاد في تجديدها وهذا يحسب له، فليس كل صور الشعر مبتكرة ولكن الإجادة في التجويد.

أما (المخرم) فكان في غير محله من الروح، قصد فما للروح من مخرم تنفذ منه فقطع السياق لأجل القافية ولانتهاء الشطر وزنًا، وهو مما لا يصح السكوت عنه لأنه مما لا يفهم من الإشارة، فكان هذا قصر نفس شعري وهو من علامات ضعف الشعراء.

والذي أكمل تشويه صورة البيت هو قوله اللاحق (درت على الموت في زرد محكم) في البيت:

وَما دارَ حَولَكَ بَل أنتَ دُرتَ ،،،، على الموتِ في زَرَدٍ مُحكَمِ

فلا نرى أي ترابط أو تماسك بين أجزاء الجملة الشعرية، وما وجود الزرد المحكم إلا (عبارة التقطها) من أوصاف الحماسة عند عنترة وابي تمام وأمثالهما فأخذها وألقاها في أي بيت خبطًا لتشكل قافية بلفظة ضخمة كما ظن، والحقيقة أنها واضحة التفكك والانفصال عن أي معنى سبقها، فالزرد المحكم كما هو معلوم يكون للدرع الذي يلبسه الفارس، فما وجه وضعه محل الهجوم، إنما هو للدفاع دون شك.

يقول شاعر العرب الأول:

دهمته تطاير الزرد المح ،،،، كم عنه كما يطير النسيل

أي تطاير حبك درعه كما يتطاير الريش عن صدر الطائر عند صيده أو رميه

ثم يقول شاعرنا هنا:

من الرَّفْضِ، والكبرياءِ العظيمةِ ،،،، حتى بَصُرتَ ، وحتى عَمِي

والكبرياء العظيمة لا موجب لها، الكبرياء بذاتها صفة وإن كانت في لفظ اسم، فلن تزيدها العظيمة إلا الاستطالة التي لا يقبلها شعر الطبقات العالية

أما (حتى بصرت وحتى عمي)، (ومسَّك دون قصد) أي (الموت)، فقد كانت من أضعف ما جاء به هذا الشاعر فجعلت البيت هزيلا حين تكمله:

فَمَسَّكَ من دونِ قَصدٍ فَمات ،،،، وأبقاكَ نجماً من الأنْجُمِ !

فمات وأبقاك نجمًا من الأنجم

هذا من أبيات شعراء المدارس الثانوية، التي يظن قائلها إنه جاء بشيء كبير لوجود اللفظ الرنان ولم يدرك أنه هوى بشعره، فهو أولًا لم يحقق التقابل الذي كانت فرصته مواتية بعد (فمات)، فالأجدى أن يكون بعدها (أحياك أو حييت)، ولم يستطع حتى أن يقول (فأعلاك نجما) التي تفيد التحول في أقل شيء، بدل (أبقاك) الباهتة التي لا تفيد شيئا ولا تبرز شعرًا.

وبعد كل شيء فلا صلة مطلقًا بين صدر البيت وعجزه، فما علاقة الموت بالنجم. والهنة الأخرى أن الموت نفسه الذي هو مدار فخامة البيت كما أريد له صار بعيدًا عن إذن السامع فقد مر قبل أشطر، ففقدت صورة (فمسك فمات) تأثيرها حيث لم يكن فاعلها ومحورها كمثل لو قيل (مسَّك الموت فمات) وهذا ما أراده.

أما (دون قصد) الغريبة هذه، فقد أحطت من “القصد” حيث الموت هنا لم يطلبه أصلًا فكيف إذن كان قد (ضفر ضفرًا له) (ولا مخرم) كما ذكر قبل بيتين!

ليومِ القيامةِ يَبقى السؤال ،،،، هل الموتُ في شَكلِهِ المُبْهَمِ

هوَ القَدَرُ المُبْرَمُ اللايُرَدّ ُ،،،،أم خادمُ القَدَرِ المُبْرَمِ  

(ليوم القيامة يبقى السؤال) شطر الاستئناف هذا فقد ترابطه حيث فقد حرف ربطه بما قبله. وهذا البيت أراده الشاعر أن يكون فلسفيًا على خطى أبيات المتنبي أو إيليا أبي ماضي أو حافظ إبراهيم إلا أنه كبا اذ لا قدرة له على ذلك، (المبرم اللايرد) وقد ذكرت يومًا في تناولي لقصيدة شاعر آخر بدراسة ما في قضية استخدام (ال التعريف) مع الفعل ان هذا الأمر استخدمه كثيرا- لضعفه- شاعر عراقي اشتهر دون استحقاق وكنت أقصد شاعرنا هنا، فظن الشعراء أنها أمر حسن أو ربما مألوف في شعر العرب وشائع، والأمر خلاف ذلك وقد ذكرت هناك أصل من استخدمها وكم مر مثلها في الشعر العربي الرصين إذ ربما مرتين لا أكثر وعابها أكثر النحويين وكل النقاد.

سلام عليك حبيب النبي  ،،، وبرعمه طبت من برعم

تقدمة جميلة لمقطع جديد

ثم

  حَمَلتَ أعَزَّ صفاتِ النَّبيِّ ،،،، وفُزْتَ بمعيارِهِ الأقوَمِ

هذه الجملة تدلك وأمثالها من هو الشاعر الضعيف الاختيار فطريا،

ورثت (أجل) صفات النبي

وهذا أنسب وأليق بالنبي وأحرى بالحسين الممدوح وكذا هي أصح وأفصح في مقامها.

وإلا فما معنى (أعز الصفات)، وإن صحت جدلًا، فأين هي من صفة (أجل) أو (أحب) حتى. إلا أنه أخفق في التقاطها لانشغاله بالألفاظ المعجمية المتكلفة كعادة هؤلاء الشعراء، فيخفقون في اقتناص العفوي السلس المناسب من الألفاظ القريبة المؤثرة في متذوقي الشعر الأصيل ونقاده، طالبين جذب أذن المستمع غير الخبير.

Similar Posts