مخالفة سنة الشعراء وحسن التخلص
بقلم : أدهم الشبيب
من الفنون البنائية الشعرية التي لا يقتحمها كل مقرض للشعر ولا يجرؤ عليها كل متصدٍ له، فن يجمع بين مقدرتين خلقيتين فريدتين للفن البياني، يزيدهما تميزا أنهما مقيدتان بالوزن والقافية، حيث تظهر مقدرة شعراء العمود الكبار كما لا يظهر غيرهم من أقرانهم، وهما كما أسميهما (حسن التخلص) الذي يعمد قبله الشاعر إلى (مخالفة سنة الشعراء) وإيقاع نفسه بأمر مبتدع حتى يظن المتلقي أن لا منجى له منه ولا مخرج، أو لربما يقع فيه عفوا فنظن أنه لن ينهض منه قصدا.
ومثال ذلك أن يصوغ الشاعر معنى ليقدم لنا فيه ممدوحه أو محبوبه أو شكايته كشيء ليس له مثيل من سابق، وقصده أن يوقع أثر شعره علينا بأبلغ ممن قبله، فنظن أنه قد أشكل قدمه في مسألة قد لا يحسن الفكاك منها ووضع نفسه في زاوية لن يحسن منها الهروب، وسنختار من هؤلاء ثلاثة من شعراء العرب لعصور مختلفة:
فهذا أشجع السلمي العباسي يمدح الرشيد من قصيدته: وصلت يداك السيف يوم تقطعت ،،،، أيدى الرجال وزلت الأقدامُ
ففي بيت منها يرتكب الشاعر خطأ صوريا فادحا! أو هكذا يبدو لنا فيقول:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد ،،،، رصدان ضوء الشمس والإظلامُ
والمعروف بديهة ومنطقا أن النهار هو الرصد وهو الذي يجد العدو فيه سيوفا تقاتله ومعارك تحاصره، أما الليل فإنه ستر ووقت للراحة والنوم أو لربما الهرب والاختباء، وهكذا درج الشعراء في سننهم البيانية حول هذا المعنى الثابت المستقر ذهنيا في ذائقة المتلقي وفهمه مع التنوع لفظا طبعا في صياغته وتناوله.
ولكن أن يأتي شاعر ليقول إن الظلام رصد فهذا ما لا نفهمه ولن نقبله، فنجد أنفسنا حيارى مستنكرين لهذا الشاعر الجيد لِمَ زلَّ هكذا، فيجرّنا ذلك لتتبّع البيت الذي بعده لنرى ما الذي يجري، فنجده يقول:
فإذا تيقّظ رعته وإذا هدا ،،،،، سلّت عليه سيوفَك الأحلامُ
فهل فهمت الآن كيف تخلّص وخلص إلى معنىً أجمل وأوقع على النفس! إذن، فإنه سيراك في أحلامه وقت نومه وأنت حامل سيفك لتقتله أو لعل أحلامه كلها أصبحت سيوفا مشرعة بوجهه، ولذا فان الظلام هو الآخر أصبح رقيبا عليه ورصدا على حركته!
أما الجواهري من العصر الحديث، في قصيدته الشكائية الغزلية: خلي ركابك عالقا بركابي ،،،، قصر الطريق يطيل في أتعابي
والتي كما ترى بدأها بمعنى متضاد جميل جمعه في مقابلة أجمل، لكنه خالف بعد ذلك سنة الشعراء بأمر غزلي معروف لم يختلف فيه اثنان، وهو أن الطيف يزور في المنام، ومن الشعراء من يجبر نفسه على النوم أو يبكر فيه ليرى طيف محبوبته، حتى قال أحدهم:
فتنفست ثم قلت لطيفي ،،،، آه لو زرت طيفها إلماما
خصها بالسلام سرا وإلا ،،،، منعوها لصبوتي أن تناما
أي حتى لا يزورها طيفي، ولكن شاعر العرب الأكبر يقول:
وأزير طيفك ناظري في يقظة ،،،، مرح الخطى ثملا على الأهدابِ
فكيف أصبح شاعرا للعرب إذن! وهو يرتكب خطأ فادحا في المعنى والصورة البديهية ويخالفهما، (طيف في يقظة)! فيجرك ذلك مندهشا إلى البيت التالي لترى ما الذي يجري، فإذا به يقول:
و أجلّه عن أن يزور على الكرى ،،،، فيتيه من ظلماته في غابِ
يا للعجب ،،هكذا إذن، فهو قد أجلّ طيف محبوبته أن يزور في النوم أو الظلام فيتيه، فأزاره يقظةً، يبدو أن من قبله من الشعراء هو من كان مقصّرًا! أو هكذا أراد بحسن تخلصه!
أما الشاعر الثالث فهو معاصر، مكي النزال في رائعته المتعددة الأغراض والتي منها:
والزَّرعُ بذرٌ سوف يقطفه الفتى ،،،، شوكًا عقيمًا أو جنى أطيابِ
نجده يضع نفسه في هذا المأزق منذ مطلعها، فنعجب كيف تقلد مكانة بارزة بين الشعراء وهو يخالف سنتهم حيث طالما أمتعونا بمخاطبة الأبواب أن لا تقلق سكون نفوسهم أو يحذرونها أن تُفتح فتأتيهم بغير الأحبة أو تُطرق فتجلب أخبارا لا تسر قلوبهم، ولكنه يعكس ويقول:
يا قلبُ لا تُقلق سكون البابِ ،،،، بالطَّرقِ والشكوى وعنف خطابِ
كيف يا ترى! القلب هو الذي يقلق سكون الباب! عجبا، ما الذي يصنعه هذا الشاعر ولماذا يقلب المعنى هكذا، سنذهب للبيت الذي بعده لنرى:
لا تُعلِ صوت النَّبض في أقفاله ،،،، واحسِب لمعنى القول ألف حسابِ
هكذا اذن! فماذا يفعل القلب إذن ليتجنب ذلك؟ ها هو يخالف و يتخلص مرة أخرى وفي بيت واحد ثالث: وإذا ألِمتَ فكُن كظومًا، واحترِس ،،،، لا تُلقِ بالشَّكوى على الأعتابِ