في النقد الأدبي .. أبيات اشتهرت … فأخفت قائلها والأجمل منها

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

هنالك أبيات في الشعر العربي صارت أمثالا و سارت على ألسن الناس من خطبائهم و معلميهم و موجهيهم و حتى عوامهم، و هي تستحق ما صارت إليه لجودة صياغتها و حسن صورها بل و أهمية معانيها، و لكن الغريب أن هذه الأبيات ما كانت إلا تمهيدًا للمعنى الذي كان مقصودًا الوصول إليه من قبل شاعرها، فتلقفها الناس و خفي عنهم البيت المغزى و الذي لو أدركوه لكان أجدى لهم و أعمق أثرًا لما يريدون، فلطالما اتخذوا هذه الأبيات شاهدًا لأمر أو دعمًا لموعظة أو تشبيهًا لحال غريب أو مختلف، وقد فاتهم البيت الآخر الذي أهمل و كان أوقع شاهدًا و أقوى داعمًا و أقرب تشبيهًا. كيف وقع ذلك عند الناس! لا ندري، ولكن الذي ندريه وسنبينه إن الأبيات التي تلتها أو سبقتها والأقل منها شهرةً بل هي غير معروفة هي أجمل منها وأقرب للمراد:انظر أولًا للبيت الشهيرمشيناها خطى كتبت علينا ….. ومن كتبت عليه خطى مشاهاالبيت جميل ومعبر جدًا عن حال وقوع الاقدار دونما قدرة للإنسان على ردها ثم التسليم بما كتب عليه وكتب له، وهذا ما تحفظه الناس ولكن الحقيقة إن الهدف من هذا البيت كانت التوصل للمعنى الغاية وهو البيت الرائع بعده الذي يقول: و من كانت منيته بأرض….. فليس يموت في أرض سواها وبراعة هذا البيت وحكمته ومصداقيته من اقتباسه من قوله تعالى وله المثل الأعلى: “يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْۖ” و لا شك أن البيت المشهور يساير أيضًا قول الله تعالى:” قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا”و لأن أبياتًا كهذه و لكثرة تداولها بين الناس أصبحت أشهر من قائلها فقد ضاعت حقيقة قائلي الأبيات من هذه الشاكلة في أغلبها ما أدى إلى اختلاف المختصين من الرواة و النقاد على حد سواء في نسبتها، و الأمر بات يحتاج إلى تحليل نقدي للنص و مطابقات و مقارنات للوصول للحقيقة بعد أن امتلأت المدونات و الصحف و الكتب بتلك الأبيات كشواهد و لم يعد لقائلها الأصلي دور، و في حالتنا هذه مع أول شاهد سقناه نلجأ إلى أقرب الشعراء أسلوبًا و أنسبهم سيرة مع ما قيل، و لذا فأنا أرجح طبعًا رأي من نسب تلك الأبيات إلى شاعر قديم اسمه عبد العزيز الدريني لأن الأبيات ثم القصيدة كلها تصب في المعاني الدينية الاجتماعية التربوية أو التوجيهية وحيث الرجل كان شيخا جليلا و عالما –على قلة شهرته- و قد كان له عمل في التفسير و الوعظ و اشتهر بسرعة نظمه للشعر، فمن تلك القصيدة يقول: عجبت لمن يقيم بدار ذلٍ …. وأرض الله واسعة فضاهاوهو معنى رائع أردفه بقسوة: فذاك من الرجال قليل عقل … بليد ليس يدري ما طحاهاوهي إهانة مستحقة من شيخ جليل. وقد كان للشاعر الصوفي هذا تفسير للقران الكريم أسماه (المصباح المنير في علم التفسير)، وكتاب (طهارة القلوب في ذكر علام الغيوب) في التصوف وكتاب (أنوار المعارف وأسرار العوارف) في التصوف أيضاً، و(تفسير أسماء الله الحسنى) وهو من الأشراف وتمتد عشيرته بين مصر والجزيرة العربية وأظن أن له ضريحًا في مصر اليوم. وهو الذي يقول من القصيدة نفسها: فنفسك فز بها إن خفت ضيمًا … وخل الدار تنعى من بناهااستدلال صحيح فإنك واجد أرضًا بأرضٍ … ونفسك لا تجد نفسًا سواهاحكمة دامغة ثم بيت التمهيد الشهير على الألسن:مشيناها خطى كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطى مشاها وبعده البيت الغاية أو بيت القصيد -الذي لم يعرف ولم يشتهر-: (ومن كانت منيته بأرض …. فليس يموت في ارض سواها).ومثل ذلك إخفاء للأجمل واختلافا في القائل البيت المعروف: لقد أسمعت لو ناديت حيا … ولكن لا حياة لمن تناديفهذا البيت على طرافة معناه، ودقة تصويره، وقوة سبكه، ومن ثم جريانه على ألسن الناس مثلًا ووصفًا لحال المعرضين الصامّين آذانهم عن سماع النصح أو العذل أو الحق. فإنه كان تمهيدًا لبيت خفي على المتمثلين به إذ أنهم لو وعوا أو عرفوا البيت الذي يليه لما قصروا تمثلهم بهذا البيت السائر ولما فاتهم كبير فضل البيت المغزى وعلو تشبيهه واستدلاله المنطقي الذي جاء استكمالًا لهذا المعنى العالي، والذي يقول فيه:ولو نار نفخت بها أضاءت … ولكن أنت تنفخ في رماد ولا يخفى ما لوقع هذا البيت وصورته التمثيلية الرائعة لتحقيق المقابلة والكناية والتشبيه معًا، وتلك لعمري من خيرة إمكانيات الشعراء المجيدين، فضلًا عن التوصل للمعنى والحكمة من ورائه بأفضل ما يمكن ويكون. و كما أسلفنا فلشهرة البيت بل لدقة وحاجة معناه اليومية المتكررة في كل موقف، فقد ضاعت حقيقة نسبته إلى قائله و اختلف الرواة وبعدهم النقاد، فقد نسب لدريد بن الصمة حكيم هوازن في الجاهلية، و نسب لبشار بن برد أيضا شاعر البصرة المتفرد، و هكذا. و الحقيقة إن البيت وجد في أشعار أكثر من واحد من الشعراء ومن ضمن أبيات لا يشذ عنها في المعنى ولا يخالفها في السياق، وهذا الذي جعل الأمر أكثر صعوبة في استقصاء أصله. فقد قال كثير عزة:يعز علي أن نغدو جميعا…. وتصبح ثاويًا رهنًا بوادفلو فوديت من حدث المنايا …. وقيتك بالطريف وبالتلادلقد أسمعت لو ناديت حيا ….. ولكن لا حياة لمن تناديوقال عبد الرحمن بن الحكم بن العاص:لقد أبقى بنو مروان حزنا …. مبينا عاره لبني سوادأطاف به صبيح في مشيد ….. ونادى دعوة يا ابني سعادلقد أسمعت لو ناديت حيا ….. ولكن لا حياة لمن تناديواستخدمه الشاعر بن عبد الرحمن الخاقاني وهو من شعراء القرن السادس عشر الميلادي حيث قال:وينشدني به شعرا أنيقا …. يناشد فيه أموات العبادلقد أسمعت لو ناديت حيا ….. ولكن لا حياة لمن تناديصدقت بأنني ميت ولكن ….. كشفت الحال ما بين الأعاديويبدو أن كل ذلك كان اقتباسا، لكنهم ولقلة الحظ لم يضعوا لاقتباسهم أقواسًا تشير إلى صاحبه، فما فعلوا كما فعل الوزير الشاعر ابن زيدون الأندلسي مثلا مع بيت أبي الطيب الشهير: بم التعلل لا أهل ولا وطن … ولا نديم ولا كاس ولا سكن الذي أدخله على قصيدته الرائعة (وأقصد ابن زيدون):هَلْ تذكُرونَ غريباً عادَهُ شَجَنُ …. مِنْ ذِكْرِكُمْ وجفَا أجْفانَه الوَسَنُفها هو رفاعة الطهطاوي أحد كبار كتاب ومجيدي شعراء عصر النهضة يقول من معنى جميل:وحاشا أن أقول مقال غيري …. وذلك ضد سري واعتقاديلقد أسمعت لو ناديت حيا …. ولكن لا حياة لمن تناديوفي دار العزازة لي عياذ ….. يقيني نشب أظفار العواديولذا فيبدو أن بشارًا ودريد ومن بعدهم اقتبسوه أيضا وضمنوه دون إشارة لصاحبه وهي ما كانت عليه العادة، حيث الأبيات المشهورة لا يخفى قائلها على السامعين، ولن ينكر مقتبسها نسبتها لأصلها عند مراجعته في ذلك. أما أنا فأرى الأقرب إلى قول هذا البيت و هو أحد المنسوب إليهم الفارس الشاعر المخضرم عمرو بن معد يكرب بن ربيعة الزبيدي، الذي عاش بين 525 ـ 642م، وذلك لأن سياقها و أسلوبه أكثر دلالة على ذلك فهو يسبقه بقوله معاتبًا أو هاجيًا: ألا غدرت بنو أعلى قديما …. وأنعم إنها ودق المزادومن يشرب بماء العبل يغدر…. على ما كان من حمى ورادوكنتم أعبدا أولاد غيل …. بني آمٍ مَرَنَّ على السِّفادِو هنا يأتي البيت الشهير في إحدى المنقولات، أو يأتي بعد:فمن ذا عاذري من ذي سفاه ….. يرود بنفسه شر المراديقلب للأمور شرنبثات …. بأظفار مغارزها حدادفيقول بعد ذلك يائسا من العتاب والخطاب:لقد أسمعت لو ناديت حيا ….. ولكن لا حياة لمن تناديثم يأتي بالبيت الأجمل والأوضح استدلالًا واستكمالًا -والذي لم يشتهر: -(ولو نار نفخت بها أضاءت …. ولكن أنت تنفخ في رماد)

Similar Posts