الأدوات الإيرانية في العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الامة للدراسات والتطوير

تحديد المفاهيم الرصينة لسياسة وتوجهات الدول أساس مبدئي في تعزيز علاقاتها مع العالم برسم ملامح حقيقية لاستقلالية القرار وطبيعة الأداء السياسي وإعطاء مفهوم دقيق لقيادة البلاد بعيدا عن التبعية والمصالح الدولية والإقليمية ومنح الشعب ثقته بقيادته وقدرتها على أن تمثله في المحافل الدولية بصورة لائقة بتاريخه وحضوره الميداني في جميع الأحداث التي تعصف بالمجتمع الدولي، وكلما تمكنت القيادات الميدانية في تعزيز هذا المفهوم الوطني المبدئي والتمسك بالثوابت الأساسية في إدارة شؤون الدولة ومنح الجوانب الاقتصادية والسياسية مدياتها في التعبير عن حاجة وهموم وأهداف أبناء الشعب، فإنها تتمكن من إدامة روح العلاقة الصميمية وتثبيت معانيها الكبيرة وقيمها وأصالتها في نفوس أبناء البلد، لا يمكن لأي قيادة وطنية حقيقية أن تقبل بأي تدخلات في شؤون بلادها أو تسمح لأي سياسي ومسؤول في بلاد أخرى أن تكون لديه آراؤه وتوجهاته في تحديد مسارات القرارات والتوجهات التي تأخذها أو تشير عليها، لأنها إن سمحت بهذا التصرف في الشؤون الداخلية فإنها سوف لا تفقد استقلالها السياسي والاقتصادي فقط وإنما ستبتعد عن العلاقة الوجدانية مع أبناء الشعب وتفقد قدرتها على قيادة البلاد و تكون أداة طيعة منفذة لسياسات ومصالح الدول التي تتدخل في شؤونها.يعطي مفهوم الاستقلال السياسي أبعاده الحقيقية وإثارة الميدانية وثوابته المبدئية في كيفية التعامل الحقيقي بتعزيزه والتمسك به والحفاظ على جوهره والاعتماد على الإرادة الشعبية والطموحات الجماهيرية في تعميق مفهوم الوحدة الوطنية والتمسك الاجتماعي الرصين الذي يشكل الأداة الثابتة في دعم وإسناد القرارات المستقلة التي يتخذها أي نظام ذو استقلالية واضحة ومبادئ ثابتة وقيم وأسس في العلاقات السياسية مع دول العالم كافة ، من هذا المنطلق يتعزز الحضور الميداني لإدارة الدولة وتحدد واجباتها وترسم معالم سياستها وإعداد برامجها في جميع مجالات الحياة برفض سياسة التبعية والتدخل في شؤونها ضمن إطار واضح ومرسوم لجميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تتمتع معها بعلاقات ودية ومصالح مشتركة واتفاقيات اقتصادية لا تؤثر على توجهاتها واسلوب حكمها وعلاقتها مع أبناء شعبها.أفقد الاحتلال الأمريكي العراق خاصيته الأساسية في الاستقلال الوطني الذي كان يتمتع به بعلاقات مع البلدان والأقطار الأخرى وكانت إحدى نتائج الاحتلال هي أن جعل أبواب العراق مشرعة وسمح للنظام الإيراني وجميع أجهزته الأمنية والاستخبارية ومؤسساته السياسية من التدخل والتواجد على أرض العراق ضمن إطار الحفاظ على مديات وطبيعة المصالح المشتركة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني في العراق وفق نظرية (التخادم السياسي ) وتبادل الآراء وتوثيق العلاقة بين الجانبين على الميدان العراقي بما يخدم مصالحهما في إطار سياستهما الاستراتيجية تجاه العراق دون أن يشكل تحركهما أي تأثير على أسس وثوابت العلاقة بينهما ، ومن هنا شرع النظام الإيراني بتوجيه أجهزته بإعداد الخطط والبرامج التي تساهم في تنفيذ سياسته ومشروعه في التمدد والنفوذ داخل الأراضي العراقية، وعمل على تعزيز علاقته بأحزاب السلطة الحاكمة وخاصة التي ترتبط بعلاقة معه قبل الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان ٢٠٠٣ وتقديم الدعم لها بإنشاء وتكوين العديد من المليشيات والفصائل المسلحة التي ترتبط بقيادة الحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني واستمرت هذه السياسة التوسعية والرؤية الاستراتيجية وعملت على الإحاطة بجميع الأحداث والوقائع في المشهد العراقي وأصبحت لديها دلالاتها وتأثيراتها على سياسة العراق وتشكيل الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال والتدخل الواضح في شؤون البلاد والعبث بمقدراتها وفق التوجه الاستراتيجي والبرنامج الميداني للأجهزة الأمنية والاستخبارية الإيرانية.جاء حديث السفير الإيراني(إيرج مسجدي ) لقناة إيران الرسمية بتاريخ ١٦ آب ٢٠٢١ ليؤكد حقيقة الدور الإيراني المرسوم في العراق والسياسة الثابتة في كيفية التعامل مع المشهد السياسي العراقي بما يخدم المصالح والمنافع الإيرانية والسعي لتحقيقها واستثمار نتائج الأحداث التي تجري في العراق لمصالحها مشيرا إلى أن المسؤول عن إدارة الملف العراقي هو الجنرال(اسماعيل قاآني) قائد فيلق القدس، وهذا يدلل على حقيقة ما نتحدث به ونكتبه أن الإيرانيين بكافة عناوينهم يسعون إلى تنفيذ التوجهات التي يتلقونها من علي خامنئي ويحرصون على تنفيذها بشكل دقيق لتوسيع دائرة النفوذ والتمدد للمشروع السياسي الإيراني في العراق، ولهذا فإن جميع الزيارات التي يقوم بها لبغداد إنما تشكل ثوابت في السياسة الإيرانية للوقوف على مستجدات الأوضاع السياسية والتوجهات الحكومية الخاصة بالعلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية ومناقشة الخلافات الحزبية بين جميع الأوساط السياسية الشيعية وأصبحت تشكل أحد المعوقات التي تربك خطوات المشروع الإيراني وتوجهات قيادات الحرس الثوري والنظرة الإستراتيجية للتعامل الإيراني مع الأحداث الجارية في العراق. أكد السفير مسجدي أن جميع هذه الزيارات تتم بموافقة وعلم الحكومة العراقية وباطلاع تام على نتائجها التي تتسم بتوثيق العلاقات الأمنية والعسكرية بين طهران وبغداد، ولكن لم يقل لنا السفير عن ماهية المحادثات واللقاءات التي تتم بحضور مسؤولي المليشيات الولائية التي تدين بالولاء لنظامه وتلتزم بتوجهات خامنئي وبتعليمات الحرس الثوري وفيلق القدس وهل هي جزء من تمتين العلاقات بين البلدين؟ ام تشكل تدخلا واضحا في الشأن الداخلي العراقي! وما هي طبيعة علاقة هذه المليشيات بالنظام الإيراني؟ إذن نحن أمام واقع سياسي مؤسف يتعلق بانعدام صورة الاستقلال السياسي وفقدان الإرادة الحقيقة في مواجهة النفوذ الإيراني وإيقاف توجهات أجهزته الأمنية وطبيعة علاقتها مع الأوساط الحزبية والمليشياوية داخل العراق.أعطى حديث مسجدي صورة دقيقة لمسلسل التبعية السياسية التي ينشدها النظام الإيراني في علاقته مع الأحزاب السياسية والمليشيات والفصائل المسلحة وأنها تخضع لأجندات وأهداف المشروع الإيراني بحجة الحفاظ على علاقات وطيدة ومتميزة مع النظام الإيراني كونه حليفا استراتيجيا للعراق، والمليشيات تدرك أن ما تتحدث به بعيد عن الحقائق بل هي تعلم أنها الضامن الأمين والأداة الطيعة والواجهة الأمامية في العراق في أي مواجهة قادمة محتملة مع الولايات المتحدة الأمريكية. أكد السفير الإيراني أن زيارات قائد فيلق القدس(اسماعيل قاآني ) هي لتقديم المشورة والنصح والارشاد للحكومة العراقية في مواجهة الأحداث القائمة في العراق وطبيعة علاقتها بالمحيط الدولي والإقليمي والعربي ، كما أنه يسعى إلى تعزيز علاقة النظام الإيراني بقيادات الأحزاب السياسية التي تتمتع بعلاقات جيدة مع أجهزة السلطة الإيرانية والعمل على حل المشاكل العالقة بين جميع الأطراف والتيارات السياسية الشيعية وتسوية الخلافات بينهم خدمة للمشروع الإيراني وتعزيز النفوذ والتواجد والهيمنة التي تتسع في الميدان العراقي .

Similar Posts