كنَّا للعابرينَ البصائرا
بقلم : الشاعر محمد نصيف
دجا الخطبُ والآفاقُ تشكو المخاطرا
فكنَّا بها للعابرينَ البصائرا
وكنَّا قناديلَ النجاةِ بنا اهتدى
إلى شاطئِ العلياءِ مَنْ كانَ عابرا
فما راعَنا في الحقِّ سطوةُ ظالمٍ
وظلَّ بنا صوتُ الرجولةِ هادرا
هُوَ القَدَرُ المحتومُ أنْ نركبَ الردى
نُسَطِّرُ في فيضِ الدماءِ المآثرا
وكَمْ حَمَلَتْ جرحَ الفراقِ حروفُنا
وكَمْ قد ملأْنا بالرثاءِ دفاترا
مواكبُ موتانا تفوحُ عطورُها
ويُبهجُ عطرُ الكبرياءِ المقابرا
فبوركتَ يا شعبَ العراقِ على المدى
نَزَفْتَ دهورًا في المصائبِ صابرا
وكمْ كنتَ للعثْراتِ أنتَ مُقِيلَها
وكنتَ لكلِّ المتعبينَ المؤازرا
وحينَ عَثَرْتَ ، الناسُ ما بينَ شامتٍ
وبينَ لئيمٍ آثرَ العيشَ غادرا
فَهُمْ زمرٌ لا يفقهونَ مروءةً
قَدِ استمرؤوا ذلًّا وباعوا الضمائرا
أمَا شَرِبُوا مِنْ رافديكَ، فهلْ نَسُوا
وصاروا بأيدي قاتليكَ خناجرا
فلا تبتئسْ إنْ ظلَّ جرحُكَ نازفًا
فمهما تمادى سوفَ يصبحُ غابرا
وإنْ دامَ حزنٌ يا عراقُ سينجلي
ويُشرقُ بالآمالِ فجرُكَ ظافرا
ستقطِفُ مِنْ بستانِ صبرِكَ أنجمًا
تُزَيّنُ هاماتِ النخيلِ مفاخرا
مرفرفةً راياتُ نصرِكَ في المدى
تزفُّ بهِ للصابرينَ البشائرا
بدا يا عراقُ الفجرُ مُزْدَهِيًا فذا
جَنُوْبُكَ يسعى للتحررِ ثائرا
شَمَالُكَ يقظانٌ ويرقُبُ وثبةً
وظلُّ على شكوى جروحِكَ ساهرا
سينبثقُ الفجرُ الموشّحُ بالسنا
وتُبْهِجُ أضواءُ الخلاصِ السرائرا
ويزحفُ حشدُ الثائرينَ إلى الذرى
لراياتِهمْ خفقٌ يسرُّ النواظرا
ستبزُغُ مِنْ بغدادَ شمسُ ربيعِنا
ونبني الغدَ المزدانَ بالعزِّ زاهرا
ويرقصُ موجُ الرافدينِ بشاشةً
ودجلةُ تُزجي للفراتِ المشاعرا
ونطوي بكَ الأحزانَ طيَّ صحيفةٍ
ونبني عراقًا بالمباهجِ زاخرًا
تعودُ كما أنتَ العراقُ مبجَّلًا
وتسخرُ ممنْ كانَ في الأمسِ ساخرا
وترفلُ بالأمجادِ يا قبلةَ السنا
وينقلبُ الخصمُ المكابرُ خاسرا
ينوءُ بأوزارِ الهزيمةِ خائبًا
ويجثو على أعتابِ مجدِكَ صاغرا