الابتزاز الالكتروني جريمة العصر

بقلم : د. إبراهيم السلامي

الابتزاز كلمة مزعجة وتجلب معها قدرا كبيرا من المشاعر السلبية، فهي تجسيد حي لواحد من أسوأ الخصال التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان حين يستغل قوته مقابل ضعف إنسان آخر سواء كان هذا الضعف مؤقتًا أو دائما، والابتزاز هو ضعف العلاقة وهشاشتها بين ضعاف النفوس كما يبين تأثير المال على هذه النفوس وكيف يضحي الصديق بصديقه والقريب بقريبه والأخ بأخيه من أجل المال، وكيف يستبطن الحقد والكره مكان الحب والمحبة. لقد شهد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين تطورا ً علميا ً هائلا في كافة ومختلف المجالات، فمن الصعود إلى القمر والكواكب الأخرى إلى نقل الدم إلى زرع الأعضاء البشرية إلى أطفال الأنابيب إلى التحكم في الجينات الوراثية إلى ظهور الحاسب الآلي وما تبعه من ثورة معلوماتية. ولا يستطيع أحد أن يماري في المزايا والفوائد الخاصة بتقنية المعالجة الآلية للمعلومات إذ ترك الحاسب الآلي بصمات واضحة في حياتنا الحديثة. إن من نتائج الضعف النفسي البشري غير المقبول اللجوء إلى استغلال الآخرين بأساليب لا أخلاقية، وقد يتمثل ذلك في كثير من الصور المعروفة وغير المعروفة، والتي منها (الابتزاز) والذي قد يعتبر بصورته المعروفة إفرازا ً عصريا ً حديثا ولكنه في حقيقة الأمر سلوكا ً بشريا ً قديماً يتمثل في عدم القدرة على التحكم بالرغبات الخاطئة والشعور بالرغبة على السيطرة على الآخرين من خلال تهديدهم وإشعارهم بالخطر، فقد ورد ذلك في كتابنا العزيز في قوله تعالى على لسان امرأة العزيز: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِين) ( يوسف آية 33) ، فكان من مصادر القوة له (عليه السلام) رفض الانصياع لهذا التهديد واللجوء إلى الله (جل وعلا ) في هذا الأمر. فكأن القرآن في هذه الآية الكريمة يشير إلى القوة النفسية التي يجب أن يتحلى بها الفرد ليكون أكثر قوة في مواجهة الاستغلال من الآخرين ويؤكد (عليه السلام) على أثر الجانب الروحي وأثره في دعم هذه القوة النفسية والتي يمكن أن يصد بها الفرد اعتداء الآخرين. وسنبين كونه من الكبائر وأسبابه وأشكاله ووسائله وآثاره على الفرد والمجتمع وموقف بعض التشريعات منه وكما يأتي:1. الابتزاز كبيرة من الكبائر: إن الابتزاز معصية ذات إثم كبير وتصل إلى كونها كبيرة من الكبائر، أن الله تعالى كما كرم الإنسان بالعقل؛ فقد كرمه بالعلم والاختيار، وإن أي تهديد يسلب الإنسان إرادته فهو حرام. نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- عن ترويع المسلم وإخافته وإرهابه وتهديد حياته؛ لأن ذلك يؤثر على إرادته وتصرفاته، مستدلًا بما روى عبد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا » .2. أسباب الابتزاز من أهم أسباب ممارسة الابتزاز لدى الإناث الفراغ والحرمان العاطفي والرغبة بعلاقة ربما تنتهي بالزواج والعنوسة، والفراغ، والبطالة، وضعف الوازع الديني، والتفكك الأسـري، وضعف الرقابة الأبوية، وتوفر وسائل الاتصال الحديثة.إما بالنسبة للذكور فإن من أهم الأسباب المؤدية للابتزاز الدافع الجنسي، والرغبة لإثبات الذات، وتقليد الأصحاب، والفراغ، والبطالة، وضعف الوازع الديني، والتفكك الأسري، وضعف الرقابة الوالدية، وتوفر وسائل الاتصال الحديثة، وضعف العقوبات القضائية، التأخر في الـزواج، وكثرة المثيرات الجنسية من خلال وسائل الإعلام المختلفة.3. أشكال الابتزاز: للابتزاز أشكال مختلفة ومتعددة منها: ابتزاز الفتيات للشباب، أو ابتزاز الشباب للفتيات، أو ابتزاز الفتيات للفتيات، أو ابتزاز الشباب للشباب وغيرها، الخ. وأغلب الحـالات يتم فيها الابـتـزاز تتم من خـلال الصور أو تسجيل المكالمات الهاتفية، بحيث تستجيب الفتاة أو الشاب للابتزاز دون أن تتأكد أو يتأكد أصلا من وجود الصور أو التسجيل الصوتي، ومع تقدم العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتطورة وعصر ثورة المعلومات، كان من البديهي أن تظهر أنماط جديدة من الجرائم لم تكن معهودة في السابق، والتي تمخضت عنها وسائل اتصالات متطورة، أدت إلى سلبيات.4. وسائله :وغالبا ما تبدأ العلاقة بين طرفي الابتزاز بالثقة الوهمية المتبادلة، والوعود الكاذبة، والأساليب الملتوية المخادعة، ومن ثم تتطور حتى يستطيع المبتز أن يستبيح بعض أسرار الضحية ويحتفظ بها ومن ثم تبدأ عملية المساومة والابتزاز الذي من وسائله: ا . التهديد بحفظ أسرار الضحية وتطويعها عند الممانعة في الاستجابة لمآربه. ب . التهديد بفضح الضحية. ج . التهديد بنسخ أسـرار الضحية ونشرها عبر وسائل التقنية الحديثة، وهذه الأسرار غالبا ما تكون صورا، أو مقاطع فيديو، أو رسائل إلكترونية أو خطية، أو تسجيلات صوتية ونحوها.ويتم الوصول للفتيات عن طريق الاتصال العشوائي أو المواقع والمنتديات أو تبادل الأرقام أو البلوتوث أو عن طريق إحدى الزميلات أو إحدى القنوات الفضائية أو الخادمة وغيرها من الطرق التي تستحدث كل فترة.5 . أثره على الفرد والمجتمع: إن الابتزاز الإلكتروني سلوك غير سوي يعود بأثر سلبي على الفرد والأسرة والمجتمع، حيث يعتبر مؤشرا خطيرا على تغير القيم وانحدارها، وله انعكاسات على نفسية الضحية واستقرار أسرتها، ما يؤدي إليه من تفكك أسري وشيوع الخيانة والاستغلال، ما يفضي الى نشر الجريمة وهدم شخصيات الضحايا، ونشر الأمراض النفسية والجنسية، وإشاعة الفوضى والخوف والرعب في المجتمع. إن الابتزاز بشكل عام يشكل قيدا على حرية الشخص وإرادته، ومعلوم أن الشخص في الشرع محترم في نفسه وماله وعرضه وعقله ودينه، وهذه الخمس هي ما يطلق عليها مقاصد الشريعة الإسلامية، والابتزاز حقيقة وواقعا يشكل مصادرة لحرية الإنسان في إحدى تلك المقاصد الخمسة، ويشكل خطرا يهدد أمن الإنسان في سمعته وعرضه أو ذاته وبدنه، وكل ذلك منهي عنه شرعا، مشيرا إلى أن الابتزاز تطفل على خصوصية الناس واطلاع على عوراتهم ومصادرة لحرياتهم، والشرع الحنيف حرص كل الحرص على ستر عورات المسلمين وحفظ خصوصياتهم الشخصية بعيدا عن أعين الناس، وشرع لذلك تشريعات عديدة، منها: أحكام الاستئذان، والسلام، والنظر وغض البصر، واللباس، والدخول والخروج، ونحو ذلك، وفي المقابل نهى عن التجسس والاطلاع على العورات والدخول من غير استئذان. إذ أن كل هذه الأحكام الشرعية عبارة عن سياج يحمي الإنسان ويحيطه بمزيد من الحماية والأمن والخصوصية والستر، خاصة مع توسع الناس في الاشتراك في شبكات التواصل الاجتماعي وانتشار تكنولوجيا الاتصال، ولا شك أن أي سلوك أو عمل يكسر هذه الحواجز أو يحاول اختراق هذا السياج فهو مدان في الشرع، بل ويطبق عليه أحيانا مع تماديه حد الحرابة لإفساده في الأرض بهذا السلوك المشين.6 . موقف بعض التشريعات من الابتزاز:إن مكافحة هذا النوع المستجد من الجرائم تختلف في النطاق الداخلي لبعض الدول عن النطاق الدولي، فنجد أنه على الصعيد الداخلي تختلف مواقف التشريعات في هذه الخصوص، فمنها ما وضع تشريعا لمكافحة جرائم الإنترنت كالأردن، ومنها ما زال يعتمد على القواعد الجزائية العامة للتجريم كالعراق ومصر. نأمل أن تأخذ جميع الدول هذا الخطر على محمل الجد وتشرع له القوانين التي تحد منه وتحمي الجميع منه ويبدو لنا أنه أشد فتكا من داء العصر (كورونا).

Similar Posts