المتون والمختصرات في المذهب الحنفي

بقلم : د. حاتم الضاري

امتاز الفقه الحنفيُّ بكثرة ما صُنّف فيه من المؤلَّفات وتنوعّها، وقد ابتدأتْ منذ أن بُذرت أولى بذوره، على يد القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، حيث كتب القاضي أبو يوسف (ت182هـ) كتاب: «الخراج» و«الرّد على سير الأوزاعي» و«الآثار» وغيرها، ثمّ تبعه محمد بن الحسن الشّيباني (ت189هـ) في ذلك، فَعُدَّ هو المدوّن الحقيقيّ للمذهب بكتبه السّتة، والتي يطلق عليها مسمّى: كتب ظاهر الرّواية، وهي: «المبسوط» و«الجامع الصّغير» و«الجامع الكبير» و«السّير الكبير» و«السّير الصغير» و«الزّيادات» وقد نقلها عنه العلماء بالتّواتر، وألّف الشيباني سواها وهي ما يطلق عليه اسم كتب النّوادر، وهي كثيرةٌ مثل: «الكيسانيات» و«الرّقيات» و«الهارونيّات». ودوّن بعضُ أصحاب أبي حنيفة رحمه الله أقوال أبي حنيفة ككتاب «المجرد» للحسن بن زياد اللؤلؤي، وكتاب «الأمالي» لأبي يوسف الأنصاري، و«النّوادر» لابن سماعة وغيرها. لكن جرى الاعتمادُ على كتب ظاهر الرّواية في المذهب الحنفي، بحيث لا يُعدلُ عنها إلى ما في كتب النّوادر إلّا بأحوالٍ منها الضّرورةُ والاحتياطُ وعمومُ البلوى، فيُعلم من هذا أنّ كتبَ محمّد بن الحسن الشّيباني (ت189ه) المعروفة بكتب ظاهر الرّواية مقدّمةٌ على جميع ما كتب أصحابُ أبي حنيفة من كتب النّوادر. ثم جاء الحاكم الشّهيد رحمه الله (ت334هـ) فجمع كتب ظاهر الرّواية السّتة، وأخرج منها مختصرًا سمّاه «الكافي» وقد شرحه شمس الأئمة السَّرَخسيّ (ت490ه) في كتابه المشهور «المبسوط» وهو مطبوعٌ في ثلاثين مجلّدًا، وقد شُرحت كتب ظاهر الرّواية شروحًا كثيرةً، كشرح شمس الأئمة الحلواني (ت448ه) وشرحِ أبي اليسر البزدوي (ت493ه) وأخيه أبي العسر البزدوي (ت482ه) والسَّرَخسيّ (ت490ه) وقاضي خان (ت592ه) والتّمرتاش (ت601ه) والحصيري (ت636ه) وغيرهم الكثير، ولا يزال قسمٌ كبيرٌ منها مخطوطًا لم يحقّق حتى اليوم. ثم جاء في القرن الرّابع الإمامان الجليلان: أبو جعفر الطّحاوي (ت321ه)، وأبو الحسن الكرخيّ (ت340ه) فألّفا مختصرين يعرفان بـ«مختصر الطّحاوي» و«مختصر الكرخيّ» وقد نالا عناية العلماء، فأمّا «مختصر الطّحاوي» فقد شرحه غيرُ واحدٍ، منهم الإمامان: أبو بكر الرّازي الجصّاص (ت370ه) والإمام الإسبيجابي (ت بعد 480ه) وأمّا «مختصر الكرخي» فقد شرحه الإمامُ القدوري (ت428ه). ثم جاء القرن الخامس ليشهد ولادة المختصر الأشهر عند الحنفيّة؛ وهو «مختصر القدوري» والقدوري نسبة إلى الإمام أبي الحسين القدوري البغدادي (ت428هـ) وقد انتشر هذا المختصر في الآفاق، وحظي بالقبول التّام في المذهب، وبلغ من إجلال الحنفيّة له أنّهم أطلقوا عليه تسمية «الكتاب» فإذا قالوا: جاء في الكتاب، كان مقصدُهُم: أنّه جاء في «مختصر القدوري» وحظي هذا المختصر بالشّروح الكثيرة جدًا. وألُّف في القرن السّادس الهجري عددٌ من الكتب المهمّة في المذهب ككتاب الكاساني (ت587ه) المسمّى «بدائع الصّنائع في ترتيب الشّرائع» وهو شرحٌ على «تحفة الفقهاء» لعلاء الدين السمرقندي (ت540ه) وغيرها. لكن الأبرز كان على الإطلاق هو كتاب الإمام المرغيناني البخاري(ت593هـ) الموسوم بـ«الهداية شرح بداية المبتدئ» وهذا الكتاب شرح به المرغيناني(ت593هـ) مختصره المعروف بـ«بداية المبتدئ». وأمّا «بداية المبتدئ» فقد جمع فيه الإمام المرغيناني (ت593هـ) بين كتابي «الجامع الصّغير» لمحمد بن الحسن الشّيباني (ت189ه) وهو من أبرز كتاب ظاهر الرّواية وبين كتاب «مختصر القدوري» ثمّ شرح المرغيناني متن «بداية المبتدئ» فأطلق على الشرح اسم «الهداية». وقد أصبح هذا الكتاب، أي: كتاب «الهداية» من أهمّ مراجع الفقه الحنفيّ على الإطلاق، وأخذ العلماءُ بشرحه واختصاره، حتى بلغ عدد الكتب المؤلَّفة في شرحه ما يربو على السّتين كتابًا. وأثنى العلماء كثيرًا على هذا الكتاب، قال برهان الشّريعة (ت673هـ) في بداية مختصره المعروف بـــ«الوقاية» وهو يبيّن سبب تأليف هذا المتن: «فألفت في رواية كتاب الهداية، وهو كتابٌ فاخرٌ، وبحرٌ موّاجٌ زاخرٌ، كتابٌ جليل القدر عظيم الشأن، زاهر الخطر، باهر البرهان، قد تمَّت حسناته، وعمَّت بركاته، وبهرت آياته» وقد جاء في «العناية»: «إن كتاب الهداية لمئنَّة الهداية، لاحتوائه على أصول الدّراية، وانطوائه على متون الرّواية، خلصت معادن ألفاظه من حيث الإسهاب، وخلت نقود معانيه عن زيف الإيجاز وبهرج الأطناب، فبرز بروز الإبريز مُركّبًا من معنىً وجيز». ونكتفي بهذا القدر في إيراد كلام العلماء في الثّناء على «الهداية» ومن كثرة الشّروح عليه تتبين قيمته الحقيقيّة في المذهب.ثمّ في القرن السّابع والثّامن ظهرت أهمّ المختصرات في المذهب، والتي تعاهدها العلماء بالشّرح والتّبويب والاختصار، فقد ألّف برهان الشّريعة المحبوبي البخاري (ت673هـ) كتابًا اختصر به مسائل الهداية، وسماه: «وقاية الرّواية لمسائل الهداية» المشهور بين الناس بـ«الوقاية» وقد ألّفه لابن بنته عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747ه) المشهور بصدر الشّريعة الأصغر، حيث عمد عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747ه) إلى اختصار كتاب «الوقاية» وسماه بـ«النُقاية» حيث شرحه غيرُ واحدٍ، منهم الإمامُ الشُمنِّيّ (ت 810ه) بكتابه «كمال الدّراية في شرح النّقاية». ثمّ شرح صدر الشّريعة عبيد الله بن مسعود (ت747ه) كتاب جده «الوقاية» في شرحٍ معتبرٍ مشهورٍ بين العلماء بـ«شرح الوقاية لصدر الشريعة». وتلقى العلماءُ كتابَ «الوقاية» بالقبول التّام، وتعدّدت شروحُه حتى بلغت أكثر من ثمانية وعشرين شرحًا. وعند عدّ المختصرات الرئيسيّة التي استقرّ عليها المتأخّرون، فإنهم سيتّفقون على «الوقاية» كأحّد المتون التي جرى عليها الاعتماد وبلا نزاعٍ بينهم. وحين يذكرون المتون المختصرة في المذهب فإنهم يقصدون بها بعض المتون التي جرى عليها الاعتماد، وهي: «الوقاية» كما ذكرنا و«كنز الدّقائق» لأبي البركات النسفي (ت710ه) و«متن القدوري»، ثمّ «المختار» لابن مودود الموصلي (ت683ه) و«مجمع البحرين» لابن الساعاتي (ت694ه) وأمّا مراد قولهم: “المتون الثلاثة” فيقصدون به «متن القدوري» و«الوقاية» و«كنز الدقائق» وإذا أطلقوا المتون الأربعة فمرادهم هذه الثلاثة ويضيفون إليها «المختار» أو «مجمع البحرين». وظهرت من بعدهم في القرون الثّامنة والتّاسعة والعاشرة مختصراتٌ جليلةٌ منها: «عيون المذاهب» للكاكي (ت749ه) و«لطائف الإشارات» لابن قاضي سماونة (ت823ه) وصنّف ملا خسرو (ت885ه) «غرر الأحكام» ثمّ ألّف الطرابلسي (922هـ) «مواهب الرّحمن» والحلبي (ت956ه) «ملتقى الأبحر» الذي جمع فيه بين المتون الأربعة المعتد بها في المذهب وهي: «القدوري» و«الوقاية و«الكنز» و«المختار» وأخذ شيئًا من «المجمع» وبعضًا من «الهداية» ثمّ تلاهم التّمرتاشي (ت1004ه) فألّف «تنوير الأبصار» جمع فيه مسائل المتون المعتمدة مع الزّيادة والتّرجيح. ويلحظ على هذه المتون المتأخّرة التي جاءت بعد القرن الثّامن أنّها اعتمدت اعتمادًا كليًّا على المتون الأربعة السّابق ذكرها. هذا ما سمح به المقام من عرض سريع لأهم مصنفات الحنفية وبخاصةٍ في مجال المتون والمختصرات، وإلا فالكلام في مؤلفات الحنفية يطول كثيرا.

Similar Posts