الأوكسجين القاتل في مستشفى ابن الخطيب

بقلم : إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تسعى الأمم والشعوب المتحضرة لبناء مجتمع تسوده مبادئ الحرية والكرامة واحترام إرادة الإنسان والحفاظ على حياته والعمل على إيجاد مرتكزات أساسية للحياة الحرة الكريمة وفق منهجية ميدانية واضحة المعالم والدلائل تسير عبر قنوات للعمل الجماعي الذي يتصف بالإنسانية وحب الحياة ونشر تعاليم التسامح ونكران الذات والتآلف في سبيل الوصول إلى تماسك اجتماعي كبير يعكس مديات الأخلاق والمثل العليا التي ترسم الروح الجماعية وتزدهر بها آفاق التآزر للوصول إلى حالة إيجابية من العلاقات الإنسانية والتمساك الذي يساعد على العمل باتجاه تحقيق الرؤية الصحيحة للحفاظ على آدمية الإنسان واحترام كرامته وتعزيز دوره في المجتمع الذي ينتمي إليه.وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نظام سياسي يتصف بمعايير الاستقلالية والروح الجماعية والتضامن مع أبناء الشعب وأن يكون جزءا حيويا في حياتهم ويشعر بألمهم ومكابدتهم ويرفع الحيف والظلم والتعسف عنهم وينتمي إلى أهدافهم وتطلعاتهم في الحياة الحرة الكريمة والسعادة الدائمة في ظل مجتمع تسوده مفاهيم العدالة الاجتماعية وتحقيق الأهداف السامية والمبادئ القيمية للبلاد والمضي نحو برامج وأدوات تنموية تنعش وتديم آليات المنظومة الحياتية وتحقيق الأمن المجتمعي الذي يكون الدعامة الأساسية المتينة لحماية الإنسان والحفاظ عليه ومعالجة جميع المشاكل والأزمات التي يعاني منها وإيجاد الحلول الجذرية والميدانية للابتعاد عن تأثيراتها على مستقبل وحياة المواطنين وتحقيق الرفاهية والسعادة والتقدم والازدهار في جميع ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وتعزيز أطر التوافق الاجتماعي وبناء منظومات صحية وتربوية وعلمية تساهم في تعزيز عملية البنيان الكبير والواسع الذي تصبو إليه الشعوب الحرة وفق معايير وتوجهات تخدم وتديم الأطر الإنسانية القائمة على توسيع دائرة المعرفة والعلم ومتابعة التطور العلمي والتقني والحضاري الذي يسود العالم والبحث عن أي مستجدات علمية تساهم في تعزيز حالة البنيان المجتمعي والحفاظ على استمرار الحياة المدنية بصورها وآفاقها الروحية والإنسانية التي تحترم خاصية الإنسان وتعزز من مكانته في المجتمع.تقتضي أولويات الحفاظ على المجتمع وديمومة استمرار الحياة فيه العمل بحرص شديد وتفاني على تأمين كل المستلزمات الخاصة بتعزيز الأمن القومي والوطني ويشمل جميع الاجراءات الخاصة بالأمن المجتمعي والصحي والتربوي ولا يقتصر مفهوم الأمن على تعزيز حالة السلام والطمأنينة والاستقرار في حياة المواطن وإنما هو جزء حيوي من مكملات تتعلق بطبيعة حياة الإنسان من جميع النواحي الحياتية وفي هذا يبقى الإجراء السليم والدور الكبير الذي تقوم به الحكومات والدول هي سعيها لتأمين الحالات العلاجية ومستلزمات الصحة الدائمة وتوفير الدواء وبناء المستشفيات والمراكز الطبية وتعزيز الرقابة الصحية على جميع المنشآت التي تتعلق بحياة المواطن كجزء حيوي من المنظومة الأمنية المتكاملة في المجتمع والدول الراقية المتحضرة.جاء الحادث المؤلم والجريمة الكبرى بحق الإنسانية في مساء يوم السبت الموافق 24 نيسان 2021 بمستشفى ابن الخطيب الواقعة جنوب شرق مدينة بغداد بالقرب من جسر ديالى ليشكل انعطافة خطيرة وحدثا كبيرا ومشهدا مأساويا يحاكي الواقع المؤلم الذي يعيشه أبناء الشعب العراقي ويعكس ظاهرة الفساد التي أصبحت إحدى سمات الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الامريكي للعراق في 9 نيسان 2003 ويشكل علامة فارقة في السياسة المتبعة في البلاد ويؤشر ضعف المنظومة الحاكمة في إيقاف تداعي هذه الآفة والحفاظ على المال العام وثروات الشعب من النهب والسلب المنظم وعمليات تهريب وتبيض العملة.إن عملية الإهمال والفساد وعدم وجود المراقبة الميدانية وضعف الإجراءات الوقائية المتخذة في إجراءات السلامة العامة أدت إلى جريمة مروعة هزت الضمير الشعبي العراقي وراح ضحيتها (82) شهيدا و(110) جرحى من أبناء الشعب الذي يواصل الكفاح من أجل الحياة والبناء والحفاظ على بقائه فإذا به يذهب ضحية للإهمال وفقدان الضمير الحي وبدلا من أن يتعافى بعد طلبه الاستشفاء في مؤسسة صحية ومستشفى عام فإذا به يعطي حياته من الحرق والتفحم المؤلم والصورة المحزنة للأشلاء التي احتضنتها جدران الغرف والممرات الخاصة بمصابي جائحة كورونا.هذا الإهمال وعدم مراعاة المسؤولية وفقدان الانتماء الروحي وضياع الشعور الإنساني كان سببا رئيسيا وميدانيا أكد حقيقة الفساد العام الذي أصاب الوزارات والمؤسسات الحكومية والمنظومة السياسية القائمة في بغداد وأصابها في الصميم وأشر حقيقية ونتائج الغزو الأجنبي وفشل العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي ودعمها وساندها أركان النظام الايراني لتكون وبالا على حياة ومستقبل الشعب العراقي، وأتى الحادث الأليم ليكون امتدادا للعديد من الجرائم الإنسانية التي طالت حياة العراقيين من حادث العبارة بنهر دجلة في مدينة الموصل بتاريخ 21 أذار 2019 إلى عمليات القتل والترويع والاغتيالات والاختطاف التي شكلت صورا بشعة ومؤلمة توضح طبيعة الأوضاع السائدة في البلاد وتؤشر إخفاقا واضحا في كيفية إدارة الحكومة وفقدانها للإجراءات الرادعة التي تحمي وتحافظ على حياة العراقيين.أكدت الجريمة الإنسانية في مستشفى ابن الخطيب عدة مفاهيم وأفصحت عن العديد من المشاكل والأزمات والصور المأساوية التي يعاني منها المواطنين وهي تدني البنية التحتية للمؤسسات الصحية وفقدانها لأبسط مستلزمات الرعاية والمتابعة الميدانية وشروط الأمانة واتباع الإجراءات والإرشادات الصحية والحفاظ على أرواح الناس وتهيئة المستلزمات الطبية العلاجية لمصابي جائحة كورونا التي جاءت لتضرب على ما تبقى من النظام الصحي الهش في العراق وترسم الصورة الحقيقية لعدم قدرته على مقاومة الأزمات ومواجهتها في مشهد يعكس طبيعة الأوضاع السائدة في البلاد وتدني الشعور بالمسؤولية الجماعية ونسبة مظاهر الفساد وانتشار وتفشي شبكات النهب والسرقة وعدم تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى ودعم وإسناد المؤسسات الصحية والارتقاء والاهتمام بصحة المواطنين في بلد يعتبر الثالث على العالم في إنتاج النفط والثاني في احتياطي الطاقة.أظهرت الجريمة الإنسانية حقيقة معاول الفساد السياسي والاقتصادي وانعدام روح الانتماء للشعب وحماية شبكات الفساد والفاسدين وعدم التصدي لهم بإجراءات رادعة وإحالتهم للمحاكم المختصة وبقرارات جريئة وحاسمة لا تجامل فيها حكومة بغداد التيارات والأحزاب السياسية التي ينتمي إليها المفسدون بعدما ثبت بشكل دقيق أن ما صرف على النظام والقطاع الصحي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي وعبر الميزانيات المالية للحكومات المتعاقبة بلغ (1،5) تريليون دينار عراقي لم يبنَ منها أي مستشفى حكومي أو تشيد بها منشآت صحية ومراكز متقدمة لعلاج المرضى في جميع الاختصاصات ولم تقم أي صروح علمية وصحية تتعلق بحياة أبناء الشعب العراقي وإنما كانت هدرا كبيرا وسرقة واضحة للمال العام عبر مشاريع وهمية والهيمنة على مقدرات البلاد والذي جاء متزامنا مع ما خلصت اليه منظمة الشفافية الدولية في تقريرها السنوي عن مؤشر الفساد لعام 2020 فقد جاء العراق في المرتبة (160) ليبقى في دائرة الدول الأكثر فسادا في العالم ومعه التقرير الاقتصادي الذي أوردته هيئة النزاهة في مجلس النواب العراقي في شهر كانون الثاني 2021 الذي أشارت فيه إلى تهريب (300) مليار دولار تعود للطبقة السياسية التابعة للأحزاب السياسية الحاكمة في بغداد دون أي إجراءات وملاحقات قانونية وقضائية ومتابعة للفاسدين والمتعاونين في عمليات النهب والتلاعب بثروات الشعب وهدرا لأمواله العامة.لا تكفي الإجراءات المتخذة بحق المسؤولين عن هذه الجريمة الإنسانية لأنها طالت حياة المواطنين الأبرياء المرضى وذهبت أرواحهم ضحية للفساد المتمثل في عدم المتابعة الميدانية وخلو المستشفى من منظومة استشعار الحرائق وإطفائها وعدم الالتزام بشروط السلامة المتعلقة بتخزين أسطوانات الأوكسجين وضعف الإجراءات الرقابية المتبعة في تدقيق إجراءات السلامة في الأماكن العامة وتحديدا المستشفيات العامة ذات الاختصاص بجائحة كورونا لأن عددا من الضحايا المرضى المصابين تم تحريك أجهزة التنفس الصناعي عنهم لإنقاذهم من الحرائق المشتعلة وأختنق الآخرون بسبب الدخان المتراكم وهذا مؤشر ميداني عن التقصير الواضح في هذه المؤسسة الصحية وعدم مراعاتها لحقوق وحياة الإنسان وعدم التحرك سريعا لتلافي نتائج الحادث.

Similar Posts