الحوار الثالث بين واشنطن وبغداد .. إعادة تموضع مقنن
بقلم : إياد العنَّاز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
أبدت جميع الأوساط السياسية والإقليمية والدولية اهتماما بالغا ببدء الجولة الثالثة للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة بغداد استكمالا للحوارين اللذين عقدا بتاريخ 11حزيران،19 أب من عام 2020 ضمن سياقات واضحة وضعتها واشنطن وأبدت استعدادها للتحاور بها وفق معطيات وآفاق تخدم مصالحها واستراتيجيتها في العراق وتحديدا بعد وصول الإدارة الأمريكية الجديدة ومعرفة التصورات الميدانية لكيفية التعامل مع العوائق والمشهد السياسي العراقي انطلاقا من التأثيرات الإقليمية والنفوذ والتمدد الإيراني واتساع رقعة التجاذبات السياسية والأمنية بين واشنطن وطهران في الميدان العراقي واستمرار العمليات التعرضية التي تقوم بها أدوات ووكلاء النظام الإيراني ضد المواقع والقواعد العسكرية لقيادة التحالف والولايات المتحدة الأمريكية ومقرات السفارات في المنطقة الخضراء واستهداف الشاحنات والمركبات الناقلة للمعدات والحاجيات التي تصل لمقرات التحالف الدولي عبر الحدود العراقية-الكويتية باتجاه بعض المدن والمحافظات العراقية التي تتخذ منها مقرات وأماكن لتواجد قواتها وعناصرها والتي بدأت بالازدياد في الآونة الأخيرة وبلغت أكثر من عملية في اليوم الواحد.تأتي الجولة الثالثة للحوار في مرحلة مهمة يحاول فيها النظام الإيراني استعادة أنفاسه في المفاوضات الجارية حاليا في العاصمة النمساوية (فيينا) والتي بدأت يوم الثلاثاء 6 نيسان 2021 وستتواصل في الأيام القادمة ضمن رؤية جديدة لكيفية التعامل مع منظومة العقوبات المفروضة على إيران ومناقشة التطور الحاصل في ميدان المفاعل النووي وبرنامج الأسلحة الباليستية والتمدد والنفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، وهو توافق سياسي سيكون للعراق محطة في المباحثات بين ايران والشركاء الأوروبيين والولايات المتحدة بصورة غير مباشرة، لأن واشنطن تدرك أن الضغط الذي تعانيه في العراق عبر وكلاء ومليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني إنما هو توجيه ثابت ومستمر للرؤية السياسية الإيرانية داخل العراق لكي تتمكن طهران من الاستفادة من عامل الضغط والردع الذي سيكون أحد الجوانب الرئيسية في إكمال مباحثاتها في العاصمة النمساوية ، وهي سياسة متبعة دائما للنظام الإيراني عندما يكون الطرف الثاني الولايات المتحدة الأمريكية ولهذا نرى أن الزيارة الأخيرة لقائد الحرس الثوري الإيراني (إسماعيل قاآني ) قبل أيام لبغداد سبقت موعد الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي وألتقى فيها عددًا من الأحزاب والكتل السياسية الحليفة لطهران لمناقشة تطورات الأوضاع الميدانية في العراق وكيفية توجيه الخطاب السياسي العراقي باتجاه الضغط على حكومة بغداد لإخراج القوات الأمريكية ليتحقق للنظام الايراني الهيمنة والسيطرة والنفوذ التام على الأرض العراقية والقرار السياسي داخل الحكومة واستمرار المشروع السياسي الإيراني في تحقيق أهدافه ومأربه.يسعى المحتل الأمريكي إلى إتمام الحوار في الجولة الثالثة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واستثمارية لمعرفته بحقيقة الأوضاع القائمة في العراق والأزمات والمشاكل التي يعاني منها أبناء الشعب العراقي وهي إحدى نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق في 9نيسان 2003 والتمدد والنفوذ الإيراني الذي كان تحت مرأى القوات الأمريكية ومقراتها المنتشرة في عموم البلاد، يحاول الأمريكان في هذا الحوار اتباع سياسة واضحة في التعامل مع الشأن العراقي يبتعد كثيرا عن الاهتمام بالجانب العسكري والأمني ليذهب إلى جوانب أخرى تتعلق بالسياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والصحة أي أنه يؤيد أن يرسخ مفهوم لعلاقة كاملة الأطر في جميع مجالات الحياة وعدم السماح لأي طرف إقليمي ودولي أن ينافسها في هذا المجال واعتماد مبدأ العمل على فتح جميع مجالات التعاون والإصلاح بما يحقق نتائج ميدانية تساعد على فهم السياسة الأمريكية وملامحها القادمة في التعامل مع الشأن السياسي العراقي وتحديدا في مسار العلاقة مع طهران وطبيعة التداخلات الكبيرة التي أصبحت أحد علامات الوجود والتأثير الإيراني في الحياة السياسية العراقية.ضمن هذه الرؤية الميدانية والأهداف الاستراتيجية كانت الجوانب الرئيسية التي أكد عليها الحوار وخرجت بآراء مشتركة وهي في الأساس تغيير في العبارات أكثر مما هي الحقيقة في الواقع، وهنا عليك أخي القارئ الكريم أن تعلم أن تغيير مفردة وتسمية مهمة التحالف الدولي والقوات الأمريكية من(قوات قتالية ) الى ( قوات تدريبية وتقديم الدعم اللوجستي واستمرار برامج التسليح ) إنما هي تغيير لفظي وليس مكاني أي أن حقيقة بقاء هذه القوات الأمريكية سيكون واقعا على الأرض وهذا ما أكده يوم الخميس 8 نيسان 2021 المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكي (جون كيربي ) بقوله (ليس هناك أي تفاهم مع بغداد حول الجدول الزمني المتعلق بعملية سحب القوات القتالية لبلاده من العراق وأن وجود القوات الأمريكية جاء بناء على موافقة ودعوة من بغداد).ولهذا فإن الحوار أخذ أبعادًا استراتيجية تخدم الوجود والسياسة الأمريكية في العراق بالتركيز على الجوانب الاقتصادية والاستثمارات المالية وتحديد أوجه وسائل دخول الشركات الأمريكية للعمل في العراق وخاصة في مجالات المشاريع النفطية وتحسين فعالية الشبكات الكهربائية وعمليات البناء والإنشاءات وإيجاد خطة اقتصادية ونهج عملي يساعد على النهوض بالاقتصاد العراقي وتقديم الدعم والمساعدة من قبل الإدارة الأمريكية لتلافي الصعاب والمشاكل التي تعاني منها المنظومة الاقتصادية العراقية بسبب التطورات الميدانية المتعلقة بجائحة كورونا وما سببته من تأثير واضح على طبيعة الأوضاع الاقتصادية العالمية ومنها عملية إنتاج النفط والتباين في سعر برميل النفط الواحد حسب الطلب والسوق العالمية، إضافة إلى أن واشنطن ستعمل على المساعدة في طمأنة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بخصوص القروض المالية التي أقدمت عليها الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الغزو الأمريكي وسعيها للإيفاء بالتزاماتها وتعهداتها على دفع الاستحقاقات المالية لهاتين المؤسستين الماليتين.إن الإدارة الأمريكية جادة في دعم النظام السياسي القائم في بغداد وإسناد العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي بإعداد خطط الإصلاح الاقتصادي وتحديد مجالات النمو والتقدم في المنظومة الاقتصادية والتعاون في جميع المجالات الاستثمارية التي تحقق الهدف الاستراتيجي والمصلحة الحقيقية للإدارة الأمريكية في العراق.تريد واشنطن من حكومة بغداد مقابل هذا الدعم السياسي والاقتصادي تحجيم الدور الإيراني وتطويق النفوذ والهيمنة الأمنية التي تنفذها المليشيات الولائية والأذرع والوكلاء المرتبطين بقيادة الحرس الثوري الإيراني واتباع سياسة الحياد مع النظام الايراني والحد من العمليات التعرضية التي تقوم بها المليشيات المسلحة على المواقع والقواعد العسكرية الأمريكية وقيادة التحالف الدولي واستهدافها لعمليات الإمداد والتنقل التي تقوم بها عبر الشاحنات والمركبات التابعة لقيادة التحالف داخل الأراضي العراقية والطرق الرئيسية التي تربط بين المدن والمحافظات العراقية بعد اجتيازها للحدود العراقية-الكويتية.علينا أن ندرك أننا أمام سياسة أمريكية وتوجهات ميدانية وتطورات جديدة في العلاقات مع واشنطن يحفظ لها مصالحها واستراتيجيتها ويعززها لدور قادم في العراق يتمثل بتوسيع التواجد الأمريكي وبجميع المجالات العلمية والصحية والمالية والاقتصادية والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المؤثرة داخل الوسط السياسي العراقي وبمنظور وأساليب أخرى.