الدين الإبراهيمي والعراق
بقلم : أدهم الشبيب
أعظم قرار يتخذه العالم إن صدق المتفائلون هم أناس (ليس شرطا أن يكونوا طيبين) فكثير من المجرمين والسراق كانوا متفائلين ونجحت سرقاتهم، ولكن التفاؤل يأتي إما من التدين بالمبدأ أو لحسن النوايا أو ربما لقصر النظر عما حول الإنسان فلا يرى أسباب أمر ما ولا ما يحاك من ورائه. والمتشائمون ليسوا بالضرورة سوداويين وسيئي الظن، فربما بسبب اطلاعهم على أمور من حولهم فيستشعرون كيدا أو أمرا غير سليم. ويقول المتحكمون الغربيون “إذا أردت أن تغير الشرق فابدأ من العراق” فكل شيء بدأ به حسب الديانات، وكل شيء سينتهي به حسب التنبؤات. وهذا ما حصل دائما عبر التاريخ، وما فعلوه في سقوط بغداد الثاني القرن الماضي، وسقط بعدها كل شيء في الشرق تقريبا، وتبدلت قواعد اللعبة وسموه (النظام العالمي الجديد). سأستبعد إذن احتمالات المتفائلين الابرياء (حسني النية) فلا يناسبني أن أدَّعي أنني منهم، وهؤلاء يقولون إن البابا أراد دعم العراقيين في حربهم (الحرب انتهت)! في فساد حكومتهم! (زيارته دعمتها وباركتها)! في فقر فقرائهم (ليس لديه أموال ولم يفعل بل صرفنا عليه وعلى زيارته ما يصلح حال الكهرباء في العراق). ليس هناك ما هو مقنع من هذا. لننتقل الى المتوجسين:فالبعض يقول إنها ترتيبات التطبيع! العراق مُطبِّع أساسًا قبل غيره من البلاد ولا يعنيه التطبيع من عدمه، والسياسيون العراقيون طبَّعوا مع الشيطان الذي لم يطبِّع معه أحد إلا الدكتور فاوست الألماني في كل تاريخ البشرية، وكان ذلك مقابل المعرفة التامة كما يقولون. أفلا يطبعون مع إسرائيل! فالتخيل أن العراقيين كما كانوا يُحسب حسابهم في العناد لأجل قضايا العر ب فهذا حلم، وإذا أراد المعنيون أن ينزلوا بثقل وخطط ضخمة لإقناع شعب عربي ما على التطبيع، فسيكون ذلك هو الشعب الجزائري فقط. هو الوحيد المتبقي لم يدجن لصالح الوضع مع إسرائيل. الآخرون يقولون إنه الدين الإبراهيمي، فمدينة أور هي مدينة سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء، والديانات السماوية الأخرى إبراهيمية والإسلام أيضا فسيوحدونها ويجعلون لها بيتا واحدا يجمع المسجد و الكنيسة و الكنيست في (الزقورة )! خصوصا وأن الكاظمي اشترى لهم (مولد كهرباء هوندا أبو الصلف)!نعم إبراهيم أبو الأنبياء إلا أني لا أدعم هذا التأويل لأسباب سأسردها: منها أن البابا والمجمع الكنسي والإنجيليين واليهود يعلمون تماما أن القران العظيم قد تحوط لذلك منذ عهد نزوله وهذا من إعجازه طبعا، فثبت أنه ليس هناك أديان بل دين واحد، ولكنه ليس دينا مكونا من تأسيس شركة (أو شراكة دينية) باسم إبراهيم، بل هو دين الإسلام فقط، والتسميات الأخرى والتعاليم الأخرى هي من اختراع البشر وزيادات البشر” مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ” فإذا أرادوا دينا إبراهيميا فعلا فهذا أفضل ما يفعلون وأعظم قرار يتخذه البابا، وهو أن يكون الناس جميعا على (دين إبراهيم الحنيف) ويصبحوا مسلمين وينبذوا دياناتهم البشرية هذه ويكون القران كتابهم ومكة بيت الله والكعبة قِبلتهم. “إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ “كما لم يشر القران إلى أمر (الزقورة) التي كنَّا نلعب بها صغارا في سفراتنا المدرسية ونرمي بها فضلات أكلنا، و تتبول الكلاب السائبة في أركانها، ولا تجد من ينظفها أصلا، فما اتخذ إبراهيم بيتا في أور بل في مكة، قال خير القائلين في أمر بيت إبراهيم :” وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” و هي مكة ، ولم يكن هناك اي بيت قبله ، حيث قال تعالى : “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَٰلَمِينَ” ، اما حسمه لموضوع اتباع ابراهيم عليه السلام فكان بلا اي احتمالات ، اذ قال عز من قائل : “إنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ” ، و قطعا أنه (لا أحد ممن يرحب بالبابا ولا حتى البابا نفسه مؤمن بهذا…)، و الله يقول : ” مَا كَانَ إِبْرَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ” و قد منع الله أهل الكتاب من المحاججة في إبراهيم منعا باتا و قال: ” يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” ، و وبخهم انهم يتكلمون في هذا الامر بما لايعلمون : ” هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” ، أي لا علم لهم مطلقا في موضوع إبراهيم، إن كانوا يعتبرون أن لهم علمًا في غيره ، كالإنجيل و التوراة، وموسى وعيسى عليهما السلام. و أخيرا فالكتابان السماويان الآخران (التوراة والإنجيل) محرفان بدلالة نص القران : ” أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ” و قال : ” فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ” و ” وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ” ” قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً” ” مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا” . ومما نلمس اليوم أيضا: فمن شواهد وقوع التحريف في التوراة “تلك القبائح والعظائم التي ينسبونها إلى أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم، مما يتنزه عنه أقل الناس صلاحا وديانة، نعني بذلك ما نسبوه إلى نوح ولوط وداود عليهم السلام من شرب الخمر، والوقوع على المحارم، والغدر والخيانة، نعوذ بالله من إفكهم، وأما الإنجيل الموجود فيكفي في ثبوت تحريفه ما وقع فيه من قصة صلب المسيح عليه الصلاة والسلام، وأنه صلب ومات يوم كذا ودفن في القبر، فهذا قطعا ليس في الإنجيل الصحيح المنزل” ، فكيف تجمع تلك الكتب المحرفة مع كتاب الله الذي حفظه على ايدي المسلمين و تعهد بدوام حفظه ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ” و امتدح الله المسلمين و تعهدهم بحفظ الدين و أداء أمانة الرسالة و الدفاع عنها. ستقول: ما وراء تلك الترتيبات إذن؟ والزيارات غير المنطقية التوقيت بالنسبة لحسن المقاصد؟ أنا أرى أنها (سياسية دينية) فعلا ولكن تخص ترتيبات تغيير المنطقة واستباق تركيا ربما إلى الموصل وغيرها واستباق إيران من أن تستولي على مناطق نفوذها المذهبية بشكل تام، والأكيد أنه سيكون للغرب ممثلا بأمريكا وأوروبا وللفكر والطموحات الصهيونية الماسونية اليد الطولى والأمر النهائي في هذا الترتيب وفيما سيأتي من السنين. العملية ليست واضحة بالنسبة لي، لكن الأمر يدور بين المحافل الصهيونية واليهودية وما شابه كطرف، وبمعاونة الإنجيليين (المنظمة السياسية) ومن ورائها أمريكا كطرف، وما سياسيو الصدفة في العراق إلا “لعبة يُلعب بها ثم يُرمون” كما يعبر سيدنا عمر رضي الله عنه.