|

خبر ورؤية|| فرنسا.. وتأريخ “حافل” بجرائم العنصرية

جهاد بشير

بينما تموج الأحداث في أرجاء الأمة على مختلف الأصعدة بما يزيدها تعقيدًا وإشكالاً في كافة نواحي حياتها؛ حشرت فرنسا نفسها مجددًا في سياق الحرب على الإسلام، لتعلن بكل وضوح أنها عدو صريح للمسلمين، سواء بإعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو بالخطاب العنصري للسلطة في باريس على لسان ومواقف “إمانويل ماكرون”، أو بالاعتداءات التي طالت الكثير من المسلمين في البلاد التي يشهد تأريخا لها بالتورط في الجنايات والجرائم القائمة على أساس التمييز.وربما كان تعليق الرئيس التركي “رجب طيّب أروغان” على مواقف “ماكرون” بأن عليه اختبار قدراته العقلية، هو الأكثر جاذبية للجماهير والشعوب المسلمة التي بدأت حملة مقاطعة للمنتجات الفرنسية على نطاق أوسع مما هو متصور أو مما سبق من حملات بشأن استهداف الإسلام ونبيه الكريم عليه الصلاة والسلام؛ ولكن الواقع والتأريخ يؤكدان أن الرئيس الفرنسي ذي التأريخ المثير للجدل بشأن أخلاقياته؛ لا يشكو من عوز عقلي بقدر ما هو قاصد بمواقفه وتصريحاته التي ما انفك يؤكدها من حين لآخر، وأن ما صدر عنه ليس مجرد كلام مختل يمكن أن يواجه بتوصيفه بالسَّفَه أو نقص القدرة العقلية، فمثل هذا النعت قد يكون مناسبًا بين النظراء بموجب “الدبلوماسية” وأنماط السياسة في الحكم التي ما تزال تكبّل الشعوب وتحول بينها وبين تطلعاتها وتحقيق ما تصبو إليه بما يجعل من الدول الإسلامية مقيّدة ومحدودة التأثير.. بيد أن الذي فعله “ماكرون” هو موقف ممنهج مقصود ومدروس، دأب عليه كل من حكم فرنسا على مدى القرن الماضي والعقود الأولى من قرننا الحالي.الحقيقة أن حراك فرنسا الأخير سواء على صعيد السياسة في المنطقة العربية أو بمستوى التحرك الداخلي المناهض للإسلام؛ يحتاج إلى رؤية وتحليل أبعد بكثير من مجرد التصفيق لمن يواجهها بتصريحات لاذعة أو يكتفي بالمقاطعة الاقتصادية التي هي بالضرورة خطوة لازمة وفرض وقت وحال ولها تداعيات وتأثيرات لا يمكن التقليل منها؛ بدليل أن المسؤولين الفرنسيين أنفسهم اضطروا لاستجداء الشعوب المسلمة للتخلي عن المقاطعة، ولكن بموقف متسلط فرعوني المنهج والسلوك، حينما وصفوا المقاطعين بأنهم “متطرفون” متناسين أن بلادهم لم يسبقها أحد في التطرف وليس بمقدور أحد أن يفعل، ولكنهم يتبعون سياسة الطغيان الذي هيّأت أنظمة الدول المسلمة المساحات له ليتفشى أكثر ويتمادى.والمقام يحدونا إلى الرجوع قليلاً لبعض المحطات التأريخية القريبة والبعيدة؛ فمسرحية معارضة باريس للحرب التي قادتها الولايات المتحدة وأفضت إلى احتلال العراق؛ تبيّن لاحقًا أنها كانت باتفاق بين الدول “العظمى” بعدما عادت فرنسا من الشباك لتدخل ضمن “التحالف الدولي” الذي عاث بالعراق فسادًا ودمارًا يوازي تقريبًا ما أحدثه حرب الاحتلال، والوثائق المعنية بجرائم الحرب التي ارتكبتها فرنسا في الموصل ومناطق أخرى من العراق وسورية واضحة وبيّنة، ثم ما لبثت فرنسا حتى استغلت ـ مؤخرًا ـ أحداث لبنان الأخيرة، وكشفت عن نواياها في إعادة الاحتلال العسكري في البلاد التي لا تتمتع بحال أفضل من العراق أو سورية ما بين فساد سياسي وانهيار اقتصادي، متجاهلة وجود قوّات الأمم المتحدة “اليونيفيل”، ثم بالتدخل المباشر في تشكيل الحكومة اللبنانية التي ظهر بشأنها “ماكرون” نفسه وهو منتفض يهدد القوى السياسية اللبنانية بمآل غير محمود في حال لم تشكل حكومة على هو باريس.م تكن فرنسا بريئة مطلقًا من أي بأساء أصابت المسلمين في شتّى أرجاء الأرض، ولنا أن تصور بما هو أبعد من تأريخ الحقبة التي أشنا إليها؛ وكيف لعبت باريس دورًا في تربية إيران ورعايتها في النصف الأخير من القرن العشرين حينما جاءت بنظام ولاية الفقيه لتزرعه في المنطقة العربية ثم لينتهي الحال بالأخيرة إلى ما هي عليه اليوم من فوضى وتشرذم وأذى يفوق التصورات بُعدُه ولا تُدرك مآلاته… ثم كيف لامرئ أن ينسى جرائم فرنسا في الجزائر التي ما يزال أكثر من 18 ألف إنسان مسلم من أبنائها معلقة جماجمهم في متاحف باريس، وتفخر الأخيرة بفعلها فيهم حينما قتلتهم وقطعت رؤوسهم إبان احتلالها بلادهم؟!الحرب على الإسلام تأخذ أطوارًا متعددة وقيادات متنوعة بين مرحلة وأخرى، وقد جاء الدور لتبنّيها في هذه العشرية على باريس، التي تباكت الأقوام على حدث مفتعل فيها كان بمثابة نقطة استغلال ماكرة شرع بها “ماكرون” حينما قتل طالب شيشاني مدرسًا بطريقة لم تجد الأنظمة ـ المسلمة وغيرها ـ ما يمنعها عن توصيفها بـ”الجريمة الإرهابية”، لكنها لم تلتفت إلى جريمة إزدراء الإسلام التي وقف الرئيس الفرنسي فيها وكأنه محرر صحفي في مجلة “شارلي إيبدو” متبنيًا لها ومؤكدًا على مواصلة حكومته النهج على هذا المنوال، في مسلك لا يراه صوابًا صاحب فطرة سليمة ولا يقره ذو منطق وعقلانية، وإلا كيف نصف من يتخذ موقفًا معاديًا لمنهج وفكرة وعقيدة يتبناها مليار إنسان في الوقت الحاضر، واعتنقها مليارات آخرون على مدى تأريخ طويل بسبب سلوك فردي وخطأ في معاجلة مشكلة ناجم عن تصور معيّن؟! لا يفعل ذلك إلا من بيّت أمرًا وأراد له أرضية ينطلق منها لعبّر عن حقيقة حربه التي يُراد لها أن تبقى دائمة الاستعار، وهذا ما يفعله “ماكرون”.

Similar Posts