تقرير مترجم|| ضعف الحكومة وغياب الأمن يجعل الفوضى سيدة الموقف في العراق؛ والأطباء أول الضحاياDec 16, 2015

 “ظاهرة تهديد الأطباء واستهدافهم تعكس ضعف الحكومة المركزية في العراق في وغياب الأمن في البلاد. وهنا نجد ان غالبية الأطباء إما يرفضون معالجة الحالات أو يسعون لايجاد عمل في الخارج بأعداد متزايدة، مما اصاب نظام الرعاية الصحية، الذي يعاني أصلا من الفساد وسوء الإدارة ونقص الكوادر والخدمات، بالشلل العام”.

طه (38 عاما) كان أحد أعضاء الفريق الذي أنجز الجراحة لتجميل أنف مريضة في إحدى مستشفيات بغداد . ولكن المرأة عانت من مضاعفات ما بعد العملية الجراحية؛ مما استدعى إرسالها إلى ردهة العناية المركزة، حيث توفيت هناك . وأظهرت نتائج تشريح الجثة أن سبب الوفاة هو التسمم البكتيري من غرفة العناية المركزة.

 لكن عائلة المريضة التي توفيت اتهمت طه والجراح؛ مطالبين بالتحكيم القبلي لكل الفريق في هذه القضية والحكم بالتعويض المادي. وإلا، فإن الأطباء سيواجهون عواقب مميتة، حسبما هددت العائلة.

 ومع دخول العراق في محاربة الدولة الإسلامية التي استولت على مساحات واسعة من الأراضي وبروز دور المليشيات بشكل غير مسبوق؛ أدخلت البلاد في أسوأ أزمة سياسية وأمنية منذ انسحاب القوات الأمريكية في عام 2011، وازدادت معها التهديدات ضد الأطباء . وقد تم نشر بحث في مجلة لانسيت الطبية Lancet Medical Journal)) يُقدّر ان ما يزيد على 2000 طبيب قتلوا في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. وخلال العام الماضي، الأطباء وعاملون آخرون في المجال الطبي يقولون انهم يواجهون مضايقات متزايدة واعتداءات من قبل أقارب المرضى المتذمرين من نتائج العلاج أو إجراء العمليات الجراحية.

 هذه الظاهرة تعكس ضعف الحكومة المركزية في العراق في مواجهة القوة المتنامية للحكم القبلي في البلاد. وهنا نجد ان غالبية الأطباء إما يرفضون معالجة الحالات أو يسعون لايجاد عمل في الخارج بأعداد متزايدة، مما اصاب نظام الرعاية الصحية بالشلل الذي يعاني أصلا من الفساد وسوء الإدارة ونقص الكوادر والخدمات.

 طه، طبيب التخدير، قد قصد نقابة الأطباء العراقيين وحتى بعض رجال الدين، لإيمان الكبير في اختلال نظام العدالة في العراق، ولكن الجميع لمح له الى انه يجب أن يتعامل مع شيوخ القبائل. وفي نهاية المطاف، قال انه والجراح دفعا إلى أسرة المريضة التي توفيت مبلغ 50 مليون دينار عراقي (حوالي 41000$).

 وقال طه لـ وكالة أسوشيتد برس “نحن نعيش في حالة من الفوضى، والحكومة بالكاد قادرة على العمل”. وأضاف “ولعدم وجود حكومة تستطيع حمايتك؛ لذلك دفعنا المبلغ من أجل إنقاذ أنفسنا وعائلاتنا، أو على الأقل لتجنب تعرضنا للاعتداء أو الإهانة من قبل رجل جاهل في الشارع أمام الآخرين.”

 وقال نائب رئيس نقابة الأطباء العراقيين، الدكتور مهدي جاسم “إن الاعتداءات تحدث على أساس يومي في المراكز الطبية كلها تقريبا بسبب انعدام الأمن على الصعيد الوطني”؛ ودعا إلى “اتخاذ إجراءات سريعة من الحكومة لحماية الأطباء، وإلا فإننا سوف نخسر جميعا.”

 منذ الغزو عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة والذي أطاح بصدام حسين، تم استهداف الطبقة المهنية في العراق على يد مسلحين في محاولة لتوسيع دائرة الفوضى أو من قبل عصابات منظمة لابتزاز الأثرياء منهم.

 وقال المتحدث باسم وزارة الصحة أحمد الرديني: منذ تسعينات القرن الماضي – حيث كانت البلاد تخضع لعقوبات اقتصادية دولية قاسية – عمد عدد كبير من الأطباء إلى مغادرة العراق؛ ولكن حوالي 11000 طبيب غادروا البلاد بعد عام 2003، وقال ان المراكز الطبية في البلاد تعمل مع 25 % فقط من الكادر الوظيفي المطلوب.

 وقال الرديني: لا توجد لدينا أرقام محددة أو إحصاءات للاعتداءات وعمليات الخطف والقتل للكوادر الطبية التي جرت في البلاد، ولكن أصبحت هذه قضية “ظاهرة” في الآونة الأخيرة ؛ مما يفرض على الكثير من الأطباء إما عدم قبول إجراء العمليات الجراحية الكبرى بسبب المخاطر العالية التي تصاحب ذلك أو تقديم طلب اللجوء في إحدى دول الخارج، مما يجعل مسألة إقناع أولئك الذين هم في الخارج أصلا للعودة إلى بلادهم صعبا للغاية”.

 وقال جاسم: في كل شهر حوالي 70-80 من الأطباء، الخريجون الجدد في الغالب، يطلبون من نقابة الأطباء العراقيين الوثائق المطلوبة منهم للبحث عن عمل خارج العراق.

 وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، العميد سعد معن، تم تأسيس لجنة خاصة بالتنسيق مع وزارة الصحة لمتابعة تلك الاعتداءات. واضاف “لقد زاد عدد الحراس في المؤسسات الصحية وإن المهاجمين سيواجهون إجراءات صارمة”.

 مثل أجزاء كثيرة من العالم العربي؛ تلعب الانتماءات القبلية دورا هاما في المجتمع العراقي. وتأثيرها كان أكثر تحفظا قبل عام 2003 ولكنه ارتفع في أجزاء عديدة من العراق بسبب الفوضى وضعف الحكومات المتعاقبة منذ سقوط صدام حسين.

 كثير من الناس يفضلون الآن حل النزاعات – مثل السرقة والاعتداءات والقتل – من خلال اللجوء إلى قبائلهم بدلا من الذهاب الى السلطات. وتحولت هذا العام بعض النزاعات في جنوب البلاد إلى اشتباكات دامية استمرت لعدة أيام، مما تسببت في توقف الحياة بتلك المناطق؛ وتظل قوات الأمن على الهامش لضعف دورها في المجتمع.

 التحكيم القبلي العراقي لا يزال سائرا على نفس الأعراف المتبعة منذ قرون. حيث تقوم قبيلة المدعي بإرسال وسيط لدعوة قبيلة أخرى للاجتماع في ديوان خاص بهم – وهو المكان الذي تستقبل الضيوف من رجال القبائل الأخرى – في غضون فترة محددة من الوقت. فإذا فشلت القبيلة الأخرى بالمجيء والحضور، فعندها يمكن لقبيلة المدعي حمل السلاح و الانتقام.

 الطامة الكبرى أننا نجد ليس فقط المواطنون العاديون الذين يعتمدون على التحكيم القبلي؛ ففي هذا العام، تم عقد مجلسين قبليين على الأقل من قبل نواب في البرلمان للمقاضاة بعضهم بعضا على الأقوال التي أدلوا بها ضد بعضهم بعضا في وسائل الإعلام.

 أعلى رجل دين شيعي في العراق، علي السيستاني، اتهم الشهر الماضي “ضعف القانون” يعطي الفرصة لبعض الأشخاص لاستخدام نفوذهم أو التحكيم القبلي كوسيلة للاعتداء على الآخرين وابتزازهم.

 في أواخر سبتمبر، توفي صدام السعيدي، 32 عاما ، بعد أيام قليلة من إجراء جراحة فقدان الوزن له في مدينة البصرة جنوب العراق. وقبل أن يتم الكشف عن نتائج التشريح، قامت قبيلة السعيدي باتهام الجراح الذي اجرى العملية، الذي فرّ من المدينة بعد أن كتبوا على جدار منزله وعيادته عبارة “مطلوب دم”.

 وقال محمد شقيق السعيدي “ان الوضع الصحي في البصرة رهيب، والأطباء جشعون ولا يهتمون إلا لملء جيوبهم، في حين أن السلطات لا تراقب عملهم ولا تعاقب الظالمين”، واضاف “اذا وجدت كل هذه الأمور في العراق، فانني سوف اعتمد على القبيلة دائما.”

 وأضاف: “إذا كان النواب يعتمدون على قبائلهم لحل قضاياهم، فماذا يفعل المواطن العادي؟”

 وقال أحد الجراحين في بغداد، ماتت مريضة بعد ثلاثة أشهر من إجرائه لها جراحة فقدان الوزن، مما دفع قبيلتها للمطالبة بالتعويض المادي. وقال حتى انهم رفضوا انتظار نتائج تشريح الجثة وقاموا بتهديده بالقتل.

 وقال الجراح، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه ما زال يحاول حل النزاع، إنه اشتكى إلى الشرطة، التي لم تعالج قضيته بجدية. في نهاية المطاف، وقال انه طلب من قبيلته توفير حراس لعيادته ولمنزله.

 وقال الجراح “أنا غير مذنب، لذلك أنا لا أريد حلها من خلال القبائل”.

 وقال عندما يتم حل المشكلة في النهاية، فانه يخطط لطلب إجازة دون راتب لمدة سنة واحدة للبحث عن فرص أخرى في الخارج. “كان لدي طموح، ولكنه ذهب الآن”. انتهى

ترجمة خاصة بصحيفة البصائر

الموقع: ستارتربيون .

التأريخ: 15 كانون الأول 2015.

الرابط:

 http://www.startribune.com/doctors-still-working-in-iraq-face-violence-tribal-justice/362197091/

Similar Posts