دراسات| العدالة الحقوقية والواقع الإنساني لأهالي جرف الصخر.. انتهاك (الحق في الوطن) في العراق..

ورقة مقدمة من الدكتور (أيمن العاني) مسؤول قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين،

دراسات| العدالة الحقوقية والواقع الإنساني لأهالي جرف الصخر…

انتهاك (الحق في الوطن) في العراق

(جرف الصخر) إنموذجًا([1])

د.أيمن العاني([2])

لم يكن انتهاك الحق في الوطن في العراق مجرد نتيجة جانبية للغزو الأمريكي والاحتلال الذي أعقبه؛ بل كان جزءًا من التحولات العميقة التي استهدفت الإنسان والمكان والهوية بعد عام (2003م)؛ فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية أو عنوان في سجل رسمي؛ إنه حق الإنسان في أن يعيش على أرضه آمنًا، وأن يمتلك منزله وأرضه، وأن يمارس حياته وشعائره، وأن يربي أبناءه فيها، وألا يُقتلع منها بالقوة أو الخوف أو التهديد أو التغيير الديموغرافي.

وتقدم (جرف الصخر) إنموذجًا بالغ الدلالة لهذه المأساة العراقية الممتدة؛ فهذه الناحية الزراعية التي كانت تمثل موطنًا مستقرًا لمجتمعات وعائلات ارتبطت بالأرض والعمل والزراعة، وجدت نفسها بعد الغزو والاحتلال الأمريكي أمام تحولات أمنية وسياسية متسارعة، بدأت بتفكك منظومة الدولة وتصاعد مقاومة الاحتلال، ثم تداخلت مع العنف الطائفي الممنهج والصراع المسلح، وصولًا إلى موجات النزوح والاقتلاع التي جعلت من سكان المنطقة ضحايا لصراع لم يكن لهم فيه القرار.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله الصراع بالإنسان ليس أن يسلبه ماله أو يهدم منزله فحسب، وإنما أن يسلبه وطنه؛ وأن يتحول المنزل إلى مكان لا يستطيع العودة إليه، والأرض إلى ملك متنازع عليه، والقرية إلى مساحة مغلقة، والذاكرة إلى شاهد على اقتلاع أهلها. وعند هذه النقطة لا يعود النزوح مجرد حركة سكانية فرضتها الظروف الأمنية؛ بل يتحول إلى مساس جوهري بحق الإنسان في الوطن والانتماء والعودة والعيش الكريم.

وفي الحالة العراقية، لا يمكن فصل هذه المأساة عن سلسلة السياسات والأحداث التي أعقبت الاحتلال، بما فيها تفكيك مؤسسات الدولة، والفراغ الأمني، وتوظيف الانقسامات الطائفية، والعمليات العسكرية، والاعتقالات، وأعمال العنف، ثم التحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام (2014م)؛ فقد تضافرت هذه العوامل، بدرجات مختلفة، في جعل بعض المناطق العراقية ساحات للصراع على الأرض والسكان؛ بحيث أصبح المدني يدفع ثمن الصراع من أمنه وبيته وأرضه ومستقبل أبنائه.

وتبرز (جرف الصخر) هنا لا بوصفها حالة معزولة، وإنما باعتبارها إنموذجًا مكثفًا لسؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يفقد المواطن القدرة على ممارسة حقه الطبيعي في وطنه؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ وهل تكفي السيطرة العسكرية على الأرض لإثبات استعادة الأمن، إذا كان أصحاب الأرض أنفسهم محرومين العودة إليها؟ وهل يمكن الحديث عن سيادة القانون في غياب حق السكان في السكن والملكية والأمان والعودة؟.

إن دراسة حالة (جرف الصخر) من زاوية (الحق في الوطن) تفرض تجاوز القراءة الأمنية الضيقة للأحداث؛ فلا يكفي تعداد العمليات العسكرية أو الهجمات المسلحة أو أعداد الضحايا؛ بل يجب النظر إلى الآلاف من الناس الذين فقدوا منازلهم وأراضيهم ومجتمعهم، وإلى الآثار الممتدة التي خلفها التهجير وتعطيل الملكية ومنع العودة. كما تقتضي مساءلة جميع الأطراف، كلٌّ بحسب دوره ومسؤوليته، عن الأفعال التي أدت إلى انتهاك حقوق السكان، أيًا كانت الذريعة أو الهوية السياسية أو الطائفية للجهة الفاعلة.

ومن هنا، فإن (جرف الصخر) ليست مجرد جغرافيا في شمال بابل؛ بل هي قضية وطن وحق وذاكرة وهوية. وقضيتها تضع أمام الدولة والمجتمع والقانون سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل الوطن حق لجميع أبنائه، أو هو امتيازٌ تمنحه القوة لمن يملك السلاح والسيطرة؟.

مسار قضية جرف الصخر (2014–2024م)

نعرض فيما يأتي تسلسلًا زمنيًا لما جرى في (جرف الصخر) من بين عامي (2014-2024م)، جرى إعداده استنادا إلى مصادر حقوقية وإنسانية وصحفية متعددة، مع التفريق بين الوقائع الموثقة وبين الروايات أو الاتهامات التي تنسبها بعض الأطراف إلى جهات معينة؛ لذا قد نجد بعض الأرقام والتوصيفات تختلف باختلاف المصادر.

أولًا: الحسم العسكري وبداية التهجير

تُعدّ (جرف الصخر) ناحية ذات غالبية سكانية (سنية)، وتتمتع بأهمية استراتيجية بالغة نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يتوسط محاور حيوية تربط بغداد بمحافظات: الأنبار، وبابل، وكربلاء، فضلًا عن امتدادها الزراعي وما تتمتع به من موارد ومنتجات زراعية كثيرة.

وقد شهدت (جرف الصخر) ومحيطها مواجهات عسكرية متواصلة بين القوات الحكومية وعناصر (تنظيم الدولة) في المدة الممتدة بين (حزيران وأيلول 2014م)، ترافقت مع تصاعد حدة العمليات القتالية والقصف الذي طال الناحية والمناطق السكنية المحيطة بها. وأفادت تقارير أممية بسقوط ضحايا من المدنيين جراء أعمال القصف، في حين أدت شدة العمليات العسكرية واستمرار القصف العشوائي إلى موجات نزوح واسعة للسكان، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا. وقد أسهمت هذه التطورات في تفاقم الوضع الإنساني في المنطقة، وعمّقت من حالة عدم الاستقرار التي سبقت العمليات العسكرية اللاحقة.

وفي (24/10/2014م): بدأت القوات الحكومية، مدعومة بفصائل ميليشيا الحشد وبإسناد جوي أمريكي، عملية عسكرية واسعة لدخول جرف الصخر، عُرفت باسم عملية عاشوراء. وفي (29/10/2014م)؛ اتخذت محافظة بابل قرارًا بإبقاء المنطقة مغلقة أمام سكانها السابقين لمدة ثمانية أشهر، بحجة إزالة العبوات الناسفة والمتفجرات التي خلفتها المعارك. وفي المدة نفسها أعلن مجلس المحافظة عن تغيير اسم الناحية من (جرف الصخر) إلى (جرف النصر) .

وهنا بدأت نقطة التحول الأساسية في القضية؛ فما كان يُفترض أن يكون إغلاقًا أمنيًا مؤقتًا، تحول تدريجيًا إلى منع طويل الأمد من العودة. وقد وثقت تقارير صحفية في الأيام التالية أن المنطقة أصبحت خالية من سكانها، وأن أعدادًا كبيرة من المنازل والمنشآت تعرضت للدمار. وقدرت تقارير دولية سكان البلدة آنذاك بنحو (80) ألفًا، بينما ظهرت لاحقًا تقديرات محلية أعلى بكثير من هذا الرقم.

المعركة انتهت، ولكن لا عودة

وفي (10/1/2015م)، أعلن نائب رئيس الجمهورية آنذاك (أسامة النجيفي) أن أهالي جرف الصخر يمتلكون حق العودة إلى منازلهم، وأن واجب الدولة هو تسهيل عودتهم، في وقت كان فيه ممثلو السكان يتحدثون عن تدمير منازل ومزارع ووجود مخاوف من تغيير ديموغرافي.

وخلال (2015م): استمر غياب العودة، في الوقت الذي ظهرت فيه تقارير عن اعتقالات واختفاءات لأشخاص من سكان (جرف الصخر) أو نازحين منها عند نقاط تفتيش تابعة للميليشيات. وقد وثق قسم حقوق الإنسان في الهيئة ومعه عدد محدود جدًا من المراكز والمنظمات الحقوقية (مركز توثيق جرائم الحرب ومنظمة كرامة مثالًا) عشرات الحالات التي وصلت إلى آليات الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري.

وفي نهاية العام، أصبح واضحًا أن المسألة لم تعد مجرد تأخير فني بسبب الألغام؛ إذ بقي السكان ممنوعين من العودة رغم مرور أشهر طويلة على انتهاء العمليات.

التحول من “تأجيل العودة” إلى “منع العودة”

خلال (2016م)، أصبحت (جرف الصخر) واحدة من أبرز المناطق العراقية التي يُمنع سكانها من العودة إليها على الرغم من استعادة السيطرة عليها. وتفيد تقارير الأمم المتحدة بأن عودة النازحين إليها ظلت معطلة طوال عام (2016م) بفعل الميليشيات المسلحة، وأن المنطقة أُعيد تسميتها حكوميًا بجرف النصر، فيما ظل سكانها ممنوعين من العودة.

وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقرير لها: أن ناحية جرف الصخر قد أُفرغت من سكانها خلال وبعد استعادتها، وأنه لم يكن قد سُمح لأي من سكانها بالعودة حتى وقت إعداد تقريرها؛ ونقلت شهادات عن سكان قالوا: إن عناصر من الميليشيات أجبروا من بقي منهم على مغادرة منازلهم بعد انتهاء المعركة.

وفي تموز من العام نفسه، وردت تقارير عن قرارات محلية بهدم منازل أشخاص متهمين بالانتماء إلى (تنظيم الدولة) وإبعاد أفراد أسرهم، في سياق أوسع من الإجراءات العقابية التي طالت عائلات كثيرة بمجرد الاشتباه.

وهنا أصبح الملف يتخذ ثلاثة أبعاد متداخلة:

أمني: وجود ألغام ومخلفات حرب.

سياسي: قرار السماح أو عدم السماح بالعودة.

ديموغرافي وحقوقي: استمرار إبعاد السكان الأصليين ومنعهم من استعادة منازلهم وأراضيهم.

وفي شهر (شباط 2017م) وضع مجلس قضاء المسيب شروطًا تعجيزية لعودة سكان المنطقة، تضمنت فيما تضمنته ضمان أمن المنطقة؟! بحسب تقارير صحفية آنذاك.

وفي آذار من العام نفسه؛ ناقشت لجنة الهجرة والمهجرين في (مجلس النواب) قضية عودة أهالي (جرف الصخر)، وأعلنت عن اجتماعات مع حكومة بابل والفصائل الميليشياوية المسلحة الموجودة في المنطقة لوضع آلية للعودة، بما يشمل التدقيق الأمني. وهذا يكشف أن مسألة العودة أصبحت مرتبطة عمليًا بموافقة الجهات الأمنية والميليشيات المسيطرة على الأرض.

وفي شهر (آب 2017م) حصل تطور مفصلي؛ عندما صوّت مجلس محافظة بابل على مشروع يقضي بتجريم من يطالب بعودة أهالي (جرف الصخر)؟! وفق ما أوردته تقارير صحفية محلية وعربية. وقد أثار القرار استنكارًا سياسيًا وحقوقيًا واسعًا بسبب مضمونه الخطير الذي يجرّم المطالبة بحق عودة المهجرين. وقد أكد رئيس مجلس محافظة بابل (رعد الجبوري) آنذاك عدم التراجع عن القرار، موضحًا أنه يستهدف المطالبين بعودة نازحين، قال المجلس: إن بعضهم مرتبط بالإرهاب.

وتشير مصادر لاحقة إلى أن الناحية كانت قد أصبحت خالية عمليًا من سكانها بحلول عام (2017م).

(جرف الصخر) تتحول إلى نموذج لـ “منطقة لا عودة”

في (شباط 2018م): كانت حكومة بغداد ومجلس النواب يتحدثان عن ضرورة إعادة النازحين إلى مناطقهم قبيل حلول موعد الانتخابات البرلمانية؛ لكن (جرف الصخر) بقيت من أبرز المناطق المغلقة أمام سكانها. وأفادت تقارير عدة أن ميليشيات الحشد رفضت عودة السكان، وأن بعض المنازل والمباني أصبحت مستخدمة من قبل الفصائل.

وفي نهاية العام نفسه؛ أظهرت بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن قضاء (المسيب) في بابل لم يسجل أي حركة عودة للنازحين، وأن العودة ظلت ممنوعة بسبب قضايا سياسية وقبلية مرتبطة بالتركيبة السكانية، ولا سيّما في منطقة (جرف الصخر). وهذه نقطة مهمة جدًا في التسلسل الزمني؛ لأنها تقدم توثيقًا إنسانيًا دوليًا بأن غياب العودة لم يعد مجرد ادعاء سياسي؛ بل أصبح واقعًا مقاسًا ضمن بيانات النزوح والعودة الدولية.

كما أشارت تقارير أوروبية استندت إلى مصادر أممية إلى: أن سكان (جرف الصخر) لم يتمكنوا من العودة أو حتى زيارة المنطقة، وأن عناصر من ميليشيات مرتبطة بإيران كانت تسيطر على منافذ الوصول إليها.

استمرار النزوح رغم انتهاء المعارك

في عام (2019م)، كانت السلطات الحكومية قد تجاوزت مرحلة الحرب على تنظيم الدولة، وبدأت بعض حالات النزوح الأخرى بالعودة النسبية تدريجيًا؛ لكن (جرف الصخر) بقيت استثناءً؛ حيث لم يعد أي أحد من سكانها. وتوضح بيانات مؤشر العودة في المنظمة الدولية للهجرة (IOM Return Index): أن العودة المستدامة في المناطق المتضررة من النزاع ترتبط بعوامل عدة: مثل المصالحة، ونسبة دمار المنازل، والإشغال غير المشروع للمساكن، وتعدد الجهات الأمنية، والألغام، ومصادر العنف.

أما (جرف الصخر) تحديدًا -بحسب المؤشر- فقد استمرت التقارير في تصنيفها ضمن الحالات التي لم تتمكن فيها أعداد كبيرة من السكان من العودة لأسباب أمنية وسياسية، مع استمرار وجود سكانها في مناطق النزوح لأكثر من أربع سنوات من دون مبرر.

وفي هذا العام أيضًا ظهرت تقارير وتحقيقات تتحدث عن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة للميليشيات الموالية لإيران، وعن تحولها إلى منطقة عسكرية مغلقة.

ترسيخ الطابع العسكري للمنطقة

في (13/3/2020م) تعرضت مواقع في (جرف الصخر) لغارات أمريكية استهدفت منشآت مرتبطة بكتائب حزب الله، بعد هجوم استهدف قوات أمريكية وبريطانية في قاعدة التاجي. وتشير مصادر بحثية إلى أن الضربات أصابت منشآت تصنيع وتخزين واختبار للذخائر.

وهذا الحدث مهم في التسلسل الزمني للأحداث في المنطقة؛ لأنه يعكس تحول (جرف الصخر) من قضية نزوح محلية إلى منطقة مرتبطة مباشرة بالصراع بين الولايات المتحدة من جهة، وإيران عن طريق الميليشيات الموالية لها من جهة أخرى.

(جرف الصخر) منطقة مغلقة ونزوح ممتد

استمر منع السكان من العودة لمنطقة الجرف خلال (2021م)، بينما بقيت المنطقة ذات طابع عسكري وأمني شديد الحساسية. وتظهر تقارير الأمم المتحدة أن قضية النزوح الممتد في العراق ما تزال تؤثر في حقوق الأطفال والتعليم والحماية، ومن بينهم أطفال (جرف الصخر). وروى صندوق الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) قصص أطفال عراقيين من (جرف الصخر) عاشوا هم وذووهم سنوات النزوح بعيدًا عن منازلهم الريفية ومزارع ذويهم.

وفي شهر أيلول من العام نفسه؛ أدى انفجار -لم تعلن أسبابه- في (جرف الصخر) إلى مقتل قيادي في ميليشيا الحشد -بحسب تقارير محلية- في مؤشر على استمرار الطابع العسكري للمنطقة.

وعود رسمية بالعودة دون تنفيذ

في شهر آذار من عام (2022م)؛ أعلن نائب محافظ بابل عن تحركات حكومية لإعادة النازحين إلى (جرف الصخر)، وقال: إن العودة ستكون طوعية، وعلى مرحلتين، بعد التدقيق الأمني وإزالة مخلفات الحرب وتوفير الخدمات.

وبعد شهرين فقط أفادت الإدارة المحلية في بابل بأن عودة النازحين إلى (جرف الصخر) تحتاج إلى قرار سياسي وتنسيق مع ميليشيا الحشد، مع استمرار الحاجة إلى إزالة الألغام والمتفجرات. ويعكس هذا التصريح أن القضية لم تكن مرتبطة بالقدرة الإدارية وحدها؛ بل بموازين القوة والقرار السياسي والأمني.

وفي الشهر الأخير من العام نفسه؛ أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين أن البرنامج الحكومي ينص على إعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية خلال ستة أشهر، وأن ذلك يشمل نازحي (جرف الصخر)؛ لكن لم يتحقق شيٌ من البرنامج الحكومي بهذا الصدد، ولم تؤدِّ كل الوعود الحكومية والرسمية إلى عودة فعلية للمهجرين.

اعتراف حكومي بالمشكلة واستمرار العجز عن حلها

في شهر شباط من عام (2023م) أكد المتحدث باسم وزارة الهجرة وجود مساعٍ لإنهاء ملف (جرف الصخر)، وكشف أن قاعدة بيانات الوزارة تضم أكثر من (7,500) عائلة نازحة من المنطقة، موزعة خصوصًا بين مناطق: عامرية الفلوجة، والمسيب، ومحافظات كردستان العراق.

وفي العشرين من الشهر نفسه؛ نشر معهد واشنطن دراسة عن “نموذج جرف الصخر”، تناولت كيفية تنظر الفصائل المسلحة إلى المنطقة باعتبارها نموذجًا يمكن تكراره في مناطق أخرى في محيط العاصمة بغداد. وهذا يؤكد منهجية الاستهداف؛ وبذلك أصبح الملف مرتبطًا ليس فقط بماضي (جرف الصخر)، وإنما أيضًا بمستقبل أنماط السيطرة المسلحة وإدارة المناطق المغلقة في العراق.

وبعد شهرين؛ خرج نازحون من (جرف الصخر) في كردستان للمطالبة بالعودة إلى مناطقهم الأصلية، بعد نحو تسع سنوات من النزوح. وفي المدة نفسها تجدد الجدل السياسي حول العودة، وظهرت تصريحات من سياسيين (سنة) تطالب بإعادة السكان، قابلتها مواقف رافضة من الميليشيات الولائية، التي نظمت احتجاجات محلية ضد ما تدعوه “عودة الإرهاب” إلى المنطقة -بحسب المنظمين-.

جرف الصخر تدخل مرحلة الصراع الإقليمي

بعد انقضاء شهر (10/2023م)، تصاعدت الهجمات المتبادلة بين القوات الأمريكية والفصائل المسلحة المدعومة من إيران في العراق وسوريا؛ ففي (21/11/2023م) نفذت القوات الأمريكية ضربة على مركز عمليات وقيادة وسيطرة مرتبط بـ (كتائب حزب الله) قرب منطقة (جرف الصخر) -بحسب تقارير أمريكية- ردًا على هجمات استهدفت القوات الأمريكية.

وفي (22/11/2023م) نفذت القوات الأمريكية ضربة أخرى استهدفت مواقع مرتبطة بكتائب حزب الله قرب (جرف الصخر). وفي (25/12/2025م) استهدفت ضربات أمريكية أخرى منشآت مرتبطة بكتائب حزب الله وميليشيات مدعومة من إيران في مناطق من بينها الجرف، وفق تسلسل زمني للضربات نشره معهد السلام الأمريكي.

عقد كامل من النزوح في ظل استمرار استخدام المنطقة في هجمات عسكرية تتجاوز حدود القضية العراقية الداخلية.

في (23/1/2024م) نفذت أمريكا ضربات جوية على مواقع مرتبطة بكتائب حزب الله وميليشيات أخرى مدعومة من إيران في (جرف الصخر)، واستهدفت -بحسب القيادة الأمريكية- مواقع قيادة وتخزين وتدريب مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة. وأفادت مصادر محلية بمقتل وإصابة عدد من عناصر الفصائل، بينما أدانت حكومة بغداد الضربات باعتبارها انتهاكًا للسيادة العراقية؟!.

وبعد أربعة أشهر استمرت (جرف الصخر) في كونها منطقة مغلقة أمام سكانها الأصليين. وفي تقرير للمنظمة الدولية للهجرة حول مناطق “عدم العودة” في بابل؛ أفاد نازحون ومصادر محلية بأن سكان (جرف الصخر) لم يتمكنوا من الوصول إلى منازلهم أو أراضيهم أو أي جزء من الناحية منذ (2014م)، وأن محاولات العودة قوبلت بالتهديد والعنف، فيما تحدث التقرير عن دمار واسع في المساكن والبنية التحتية والأراضي الزراعية، وعن وجود إشارات إلى إشغال بعض الممتلكات من قبل عناصر ميليشيا الحشد وأسرهم.

محاولات تثبيت نتيجة النزوح بدل إنهائها

في شهر (5/2024م) أفادت تقارير بأن نحو (10,000) عائلة من (جرف الصخر) ما زالت محرومة من العودة، رغم مرور عشر سنوات على نزوحها، وتزامن ذلك مع طرح أفكار لبناء مناطق سكنية بديلة وتعويض النازحين بدل إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية.

وهنا تظهر مفارقة قانونية وإنسانية بالغة الأهمية؛ حيث جرى الانتقال من الحديث عن “إعادة السكان إلى ديارهم” إلى الحديث عن توطينهم في أماكن أخرى وتعويضهم عن ديارهم، وبما يعني عمليًا تثبيت نتيجة النزوح بدل إنهائها، ما لم يكن ذلك خيارًا طوعيًا حقيقيًا من أصحاب الحقوق.

(جرف الصخر) كساحة للصراع العسكري الإقليمي

في (30/7/2024م) وقعت انفجارات وضربة استهدفت أحد المواقع التابعة لميليشيا الحشد في (جرف الصخر)، وأفادت مصادر رويترز بمقتل أربعة من عناصر الحشد وإصابة آخرين. واتهمت مصادر في الحشد الولايات المتحدة بتنفيذ الضربة، بينما قالت المصادر الرسمية إن سبب الانفجارات كان في البداية غير محسوم.

وفي وقت لاحق أكدت مصادر أمريكية أن القوات الأمريكية نفذت ضربة دفاعية ضد عناصر كانوا يستعدون لإطلاق طائرات مسيرة، وأن أربعة عناصر من ميليشيا كتائب حزب الله قُتلوا في الضربة. بينما تشير تقارير أخرى إلى أن أحد القتلى كان خبيرًا يمنيًا في مجال الطائرات المسيرة، وهي رواية نسبت إلى مصادر عسكرية ولم تكن جزءًا من البيان الأمريكي الرسمي.

وهكذا، في عام (2024م) لم تعد (جرف الصخر) مجرد منطقة نزوح مغلقة؛ بل أصبحت أيضًا موقعًا تتداخل فيه عمليات الميليشيات الولائية داخل العراق، والنفوذ الإيراني، والصراع الأمريكي–الإيراني.

النتيجة الأهم:

الوقائع الموثقة لا تدعم وصف القضية بأنها نزوح مؤقت مرتبط فقط بالحرب على (تنظيم الدولة)؛ فالمسار الزمني يظهر انتقال القضية من نزوح ناتج عن الحرب في (2014م) إلى نزوح ممتد ومنع مستمر من العودة بعد انتهاء العمليات العسكرية، مع استمرار العوامل الأمنية والسياسية والعسكرية التي تحول دون العودة. وتؤكد تقارير (IOM) أن سكان (جرف الصخر) ظلوا محرومين من الوصول إلى منازلهم وأراضيهم منذ عام (2014م)، بينما ظلت آلاف العائلات مسجلة كنازحة حتى تأريخ هذا التقرير.

وفي المقابل، نجد أن الأرقام المتداولة للسكان والمهجرين متفاوتة؛ فالمصادر تستخدم أرقامًا مختلفة، من نحو 80 ألفًا في تقارير (2014م) إلى أكثر من (120) ألفًا في تقارير لاحقة، بينما تسجل وزارة الهجرة في السنوات الأخيرة أكثر من (7,500) عائلة نازحة. وهذه الأرقام ليست بالضرورة متناقضة؛ فقد تشير إلى وحدات قياس ومدد زمنية مختلفة.

والأكثر أهمية بالنسبة لملف يُرفع إلى الأمم المتحدة: توجد لدينا هنا ثلاثة مستويات من الأدلة ينبغي فصلها عن بعضها: وقائع عسكرية موثقة، وبيانات إنسانية عن النزوح ومنع العودة، وشهادات بشأن التغيير الديموغرافي والسيطرة الإيرانية/الميليشياوية.

ومن المهم، من منظور منهجي وحقوقي، ألا تُقرأ الانتهاكات المرتبطة بـ(جرف الصخر) في أعقاب عام (2014م) بوصفها أحداثًا منفصلة عن سياقها التاريخي، وإنما ينبغي تناولها ضمن مسار أوسع من الاضطرابات والانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال المدة الممتدة بين عامي (2003-2013م). فقد أسهمت التحولات الأمنية والسياسية التي أعقبت الاحتلال الأمريكي، وما رافقها من تنامي نفوذ ميليشيات مسلحة ذات طابع طائفي، في نشوء بيئة اتسمت بتصاعد الضغوط الأمنية على السكان المحليين، وتقييد سبل عيشهم ومصادر رزقهم، فضلًا عن تسجيل حالات من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتغييب التي طالت عددًا كبيرًا من أبناء المنطقة.

وفي ظل هذا الواقع المضطرب، ومع عدم قدرة مؤسسات الدولة على بسط سيادتها وإنفاذ القانون بصورة متساوية؛ لم تتوقف تداعيات هذا المسار عند حدود العمليات العسكرية، بل امتدت إلى نزوح واسع النطاق للسكان، وحرمان أعداد كبيرة منهم من العودة إلى مناطقهم وممتلكاتهم، فضلًا عن ورود تقارير بشأن وجود مرافق احتجاز غير رسمية وسرية ارتبطت بالمنطقة؛ الأمر الذي يثير جملة من المسائل الحقوقية والقانونية الجسيمة التي تستوجب التوثيق والتحقيق والمساءلة.

وعليه، فإن فهم مأساة (جرف الصخر) لا يكتمل بالنظر إلى أحداث عام (2014م) وما تلاها بمعزل عن مقدماتها، بل يقتضي تتبع المسار المتدرج الذي انتقلت خلاله المنطقة من حالة هشاشة أمنية وسياسية متراكمة إلى واقع من النزوح الممتد، وتعذر العودة، وتعدد الجهات الفاعلة المسلحة، بما ترك آثارًا عميقة ومستدامة على الحقوق الأساسية للسكان المدنيين.

وختامًا، فإن حق العودة إلى الوطن والديار حق أصيل وثابت، لا يقبل التجزئة ولا يسقط بالتقادم، ولا يجوز أن يكون محل مساومة أو مقايضة تحت أي ظرف. فهذا الحق لا تُبطله قوة السلاح، ولا تنتقص منه موازين النفوذ السياسي، ولا تنال منه سنوات النزوح مهما امتدت، وإن مرو الزمن لا يحوّل الظلم إلى حق، ولا يجعل الاقتلاع أمرًا مشروعًا، بل يظل حق المهجّرين في العودة إلى ديارهم واستعادة ما سُلب منهم من حقوق قائمًا ما بقيت أسبابه وآثاره.

وعليه، فإن أي معالجة عادلة ومستدامة لقضية (جرف الصخر) لا يمكن أن تتجاهل حق سكانها الأصليين في العودة الآمنة والكريمة والطوعية إلى ديارهم، باعتباره حقًا إنسانيًا أصيلًا وجزءًا لا يتجزأ من العدالة وإنصاف الضحايا.

([1]) ورقة مقدمة لندوة: (بين التغييب والتهجير: العدالة الحقوقية والواقع الإنساني لأهالي جرف الصخر) التي عقدها منتدى بغداد في: (20/8/2026م).

([2]) مسؤول قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق.

Similar Posts