سيناريوهات مستقبلية.. بين «الهجوم» الإيراني والرد «الإسرائيلي»

بقلم : جهاد بشير

بعدما ظهرت في سماء المنطقة الصواريخ الإيرانية التي زعمت طهران أنها تستهدف بها «إسرائيل» للمرة الثانية ولم تتجاوز في استعراضها مدة عشر دقائق، لم يحدث ما من شأنه التأثير في معادلة الصراع أو إجراء متغيرات ميدانية حقيقية يمكن التعويل عليها؛ بل ربما ما حدث هو العكس، حيث باتت مناطق الشمال في قطاع غزة في أتون موجة جديدة من الاستهداف تزيد على حرب الحصار والتجويع حربًا أخرى بإعلان الشمال منطقة عسكرية محظورة تلاحقت فيها المجازر في غضون الأيام القليلة الماضية.

ومنذ الهجمة الإيرانية غير المجدية في تأثيرها إلا في بوصلة بعض النخب الذين كانوا فيما يبدو وكأنهم قابضون على جمر ينتظرون هذه اللحظة ليوجهوا سهامهم صوب كل من يهاجم المشروع الإيراني الملطخ بدماء المسلمين في سورية والعراق؛ ظهرت من الأعاجيب من المواقف والمقالات بما يجعل الفاه فاغرًا حين يقرأ المرء أو يسمع تدوينات وتصريحات لا مناص من توصيفها بأنها مجردة عن الثوابت الشرعية والعقدية التي ينبغي أن ينطلق منها كل فكر أو نظرية أو تقويم لموقف ما، ولا سيما في حالات الصراع وتعدد الجبهات، رغم أن أصحابها حرصوا على إخراجها بقالب شرعي وربما معزز بأدلة متوهمة تتخذ مقاصدها وجهة على غير ما سيقت لأجله.

يغفل الكثير من أولئك الذين يحالون أن يُنسوا أنفسهم جرائم الاحتلال الإيراني في العراق وسورية، عن أن سياسة التخادم القائمة بين المحورين تقتضي إيقاع مشاهد ومواقف و«خسائر» على غرار ما حصل لـ«حزب الله» في لبنان وما حصل في العراق من اغتيالات لشخصيات من أمثال قاسم سليماني الذي زجت به طهران بعد سنة (2014م) ليكون ورقة محروقة تُنجز بها مرحلة مقصودة تمهيدًا للخطوة الأخرى التي جاءت بعد طوفان الأقصى، فضلاً عن سعي الطرفين (الأمريكي والإيراني) لضمان استمرار حالة التخادم التي حققت من أهدافها الكثير بعد استهداف «حزب الله» ولعل من أبرزها شتات نخب السواد الأعظم من الأمّة وتفرقتهم على سبل وطرائق متعددة حتى بات قسم منهم يعالج الأحداث وكأنه على غير هدى، ويصرح قسم آخر ويكتب غيره أو يُنظر من أجل حصر بوصلة الأمّة كلّها على جبهة واحدة تحت مبررات وعناوين يؤتى بها على غير ما وضعت لأجله، ثم وسم من لا يتجه على هذا النحو بالمتصهين الذي يعادي المجاهدين، في نمط من التفكير لا يملك ناقده إلا أن يبقيه داخل أسوار وأطر السذاجة!

ومن الطبيعي ألا يتفق أولئك مع ما تقتضيه «قواعد الاشتباك» التي هي إحدى وسائل تطبيق سياسة التخادم؛ وهي قواعد -وعلى مدى عقدين من الزمن -عايشناها في العراق تكشف دائمًا لمحات عن طبيعة المتخادمين في التعاطي مع متطلبات المرحلة الحالية وما يلزم إجراؤه في المرحلة اللاحقة، فبعد أن حشدت طهران كمًا من المواقف «الإلكترونية» المنحازة لها بعد الهجمات الصاروخية الأخيرة؛ يظهر النظام الإيراني اليوم وكأنه يستجدي ضربة من الكيان الصهيوني سواء على إيران نفسها أو على مصالحها في المنطقة ولا سيما العراق، ويعزز من ذلك إصرار «إسرائيل» على الرد على تلك الهجمات بحيث تحاول الظهور وكأنها تعصي رغبة الولايات المتحدة في هذا الأمر، لكن طهران ستكون في غاية الامتنان لشريكها المتخادم لو أنه وجّه لها ضربات تحت مظلة «قواعد الاشتباك» وطهران تدرك جيدًا في سياقها أن لها محددات فيها بخلاف الطرف الآخر الذي يملك هامشًا أكبر ومديات أوسع كونه القوة الأكثر تحكمًا، ولذلك لو حصل الرد «الإسرائيلي» فسيكون موجعًا على غرار ما حصل لـ«حزب الله» أو ربما أشد وليسن بمستوى قليل، ولعل فيما أشيع مؤخرًا وأريد له أن يكون رائجًا في الأوساط السياسية والإعلامية في العراق من مزاعم استهداف «مرجعية النجف» أو الإساءة إليها مما يعزز هذا التوجه.

أمّا لماذا ستفرح طهران لو أن «تل أبيب» نفذت وعيدها بالرد؟ فلأنّها ستحصل على جملة من المكاسب المتساوية تقريبًا مع كم الخسائر التي قد تنجم عن الرد أو ربما زادت عليها بالنظر إلى الأهداف المستقبلية والإستراتيجية للمشروع الإيراني في المنطقة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: إعادة تعاطف فئات من الشعب الإيراني الساخط على النظام، إلى جانب تأييد وتعاطف شعوب مخصوصة في المنطقة مخدوعة بإيران ونظام الحكم فيها، أو تُكره على التعاطف معها نتيجة ضغوطات حزبية أو فكرية مخصوصة فضلاً عن الضغوط الأمنية التي تفرضها أدوات وميليشيات إيران في غير واحدة من بلدان المنطقة.

ثم إن الرد «الإسرائيلي» إن حصل وعلى نحو من القوة أو التأثير الذي قد ينم عنه تدمير مدن أو تعطيل حياة في مناطق إيرانية معينة؛ فسيكون العراق الساحة الأكثر استقبالاً للإيرانيين الهاربين كما هو حاصل اليوم بالنسبة لقواعد «حزب الله» الذين باتوا يحظون بامتيازات بذل الشعب العراقي عقدين من عمره في سبيل تحصيل جزء منها ولم يُمنح شيئًا، وسيتحقق لإيران المضي خطوات كبيرة تختصر لها جهدًا ووقتًا في سياق التغيير الديموغرافي التي تعمل عليه في العراق على مدى سنين.

إن ضربة قوية توجهها «إسرائيل» إلى إيران من شأنها منح الأخيرة تحقيق أهداف كثيرة لم تكن تتوقع تحقيقها في هذه الحقبة، مثلما كانت طهران في أوج أحلامها تسعى وراء «إقليم البصرة» بعد احتلال العراق بأشهر قليلة، ثم ما لبثت أن وجدت نفسها شريكًا تخادميًا وواقعيًا في نمط احتلال مزدوج يتحكم بالعراق وغير من دول الجوار، وفيما يشبه ذلك اليوم؛ إمكانية أن تتفق إيران مع الكيان الصهيوني -وفق سياقات التخادم- أن قيام «دولة إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات أصبحت أسهل بعد السطوة الإيرانية على العراق، وذلك أمر تسعى الولايات المتحدة إليه كونه أحد أهداف غزو واحتلال العراق لذلك لن تجدها تردع إيران عن التمادي في هذا المسار، بينما دول المنطقة يكفيها أن تبقى بين مطبعة مع كيان الاحتلال من جهة، ومُهدَّدة من قبل إيران وميليشياتها وأذرعها من جهة أخرى.

إن «سيناريوهات» على هذا النحو لا تحدث بيُسر أو دون ثمن، فمن المؤكد أن إيران لا يرضيها أن تظهر أمام «محور المقاومة» وثلة المخدوعين بها على أنها رهن مقاصد «المحور الأمريكي» بموجب ظاهرة الشراكة القائمة بين تابع ومتبوع؛ لذلك سوف تبرر سلوكها بالحصول على مكاسب سوف يصفق لأجلها المطبلون للمشروع الإيراني من قبيل: تخفيف الحصار ورفع شيء من العقوبات، وبناء قواعد خارج الحدود وإعادة قوة إيران في المنطقة، ولا نود الخوض هنا في الحديث عن الملف النووي لأن مستقبله مرهون بطبيعة الرد «الإسرائيلي» المفترض الذي يدور عليه محور الكلام

وفي خضم هذا؛ من واجب الشعوب أن تطرح تساؤلات جديرة بأن تُبنى عليها حراكات وفعاليات لا بُد أن تكون مؤثرة؛ ومنها: هل ستبقى الدول العربية ودول الإقليم الإسلامي بلا مشروع حقيقي؟ وهل تفكر الأنظمة الخاضعة لمخططات أعدائها أو مشاركة فيها على حساب شعوبها ومصالحهم، بأن مستقبلها بات على شفا جرف هارٍ حينما تنتهي مصلحة المتحكمين بها؟ وأي جهد مؤطر بالواجب ينبغي على الشعوب والنخب والعلماء القيام به في هذا الشأن؟

لقد أمست الأمّة اليوم وبمفاصلها كافة وعلى اختلاف المسميات والأفكار والرؤى التي تتصدر في الميادين وتنشط في ساحة التحليل والنظر؛ بحاجة ماسة لأن تتعامل مع مقتضى قول الله تبارك وتعالى: { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

Similar Posts