استهداف العقل البشري العراقي وتهجيره

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعيش الأوطان والبلدان الحرة فترات عصيبة ومحطات من المعاناة والضنك والتعب تفرض عليها مراحل من الصبر والمطاولة التي تحصل لأبنائها وتمر بمخاضات عسيرة تترتب عليها أوضاع إنسانية مأساوية وأزمات وظروف اقتصادية وإجتماعية حادة تؤدي إلى حدوث عديد من الانتكاسات والتمزق الاجتماعي بل ضياع البلاد وتفشي ظواهر البطالة والجوع والعوز وانتشار شبكات الجريمة والمخدرات والمتاجرة بأعضاء البشر وزرع حالة من الخوف والفزع داخل المجتمع ضمن سياقات وبرامج ممنهجة تدار من جهات داخلية وخارجية تستهدف إضعاف النسيج المجتمعي المتماسك وبذر روح التفرقة والتناحر التي تؤثر على مجمل العلاقات الإنسانية وتخاطر بمستقبل الأهالي بل بحياتهم وحياة أفراد عوائلهم، وهذا ما يشكل هاجسًا نفسيًا وقلقًا اجتماعيًا ونمطًا معاشيًا له تبعاته في كيفية الوصول إلى سبل العيش الكريم واستدامة الحياة والنظر إلى الرؤى الميدانية والآفاق المستقبلية لحياة حرة كريمة.

إن أكثر ما يقلق أبناء البلد أنهم يصبحون أمام أدوات ووسائل تفرض عليهم طبيعة حياتهم واستمرار عملهم بل تتدخل في مجمل علاقاتهم وتوجهاتهم، وهذا ما يمثل اعتداءً صارخًا على حقوقهم الإنسانية واختياراتهم الفكرية والتأثير على إبداعاتهم الذهنية والعلمية بما يؤدي إلى تبعيات تؤثر سلبًا على مجمل أفعالهم وأعمالهم الحياتية، ويولد لهم إحباطًا نفسيًا وفكريًا وتعبًا جسديًا ويشكل خوفًا ورعبًا لا يمكن لأي إنسان أن يتعايش معه أو أن يجعله جزءًا من حياته ويتفاعل مع تأثيراته.

و تظهر نتيجة لهذه الصور الإنسانية المأساوية عدة ظواهر إجتماعية واقتصادية تؤدي بالإنسان إلى اختيارات توجب عليه ترك مكانه ومغادرة ذكرياته وإلابتعاد عن وطنه واختيار الهجرة خارج بقاع أرضه وهي ليست هجرة طوعية واختيارية بل إجبارية للحفاظ على حياته ومستقبل عائلته وإيجاد مرافق يتمكن فيها من توسيع مدارات فكره وعلمه بعيدًا عن أي صورة من المتابعة القسرية ومحاربة العقول النيرة التي تسعى لخدمة بلادها والتي تساهم بها شبكات القتل والترويع عبر المجاميع والمليشيات المسلحة التي تعمل على اغتيال الشخصيات والرموز العلمية والمعرفية ومطاردتها، وهذا ما يؤدي إلى حدوث فجوة كبيرة في طبيعة القوى العاملة في جميع قطاعات الدولة التعليمية والصحية والانتاجية .

وإذا ما أخذنا حقيقة الأوضاع الميدانية للعراق وما يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية تنعكس على طبيعة الحياة القائمة وملاحظة زيادة نسبة نموه السكاني الذي بلغ (41) مليون نسمة من المفترض أن توضع الدراسات والأفكار والأدوات الحقيقية ومستلزمات التطور لكيفية الاحتكام لهذه النسب والوصول إلى تحقيق حالة من الرفاهية والسعادة للمواطن عبر إنجاز المشاريع التنموية والمصانع الانتاجية وإنشاء الجسور ومد الطرق الرئيسة والمراكز الصحية والمدارس التعليمية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات.

إلا أن ظهور المشكلة التي أصبحت البلاد تعاني منها بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان 2003 في فقدان الكفاءات العلمية بكافة اختصاصاتها وهجرتها للخارج بعدم استيعاب إمكانياتها ودعمها من قبل الحكومات التي تلت الاحتلال وبسبب ضعف الأداء الحكومي ونقص الموارد المالية التي تسبب فيها الفساد المالي والإداري وعدم رعاية المبدعين وإيجاد الطرق السليمة في رفع مستوى التعليم والمعرفة وتحقيق البناء والإعمار والإصلاح إضافة إلى استهداف العقول العلمية والشخصيات الفكرية ذات البعد الإنساني ومطاردتها من أدوات القتل والاغتيال.

هذه الأسباب أدت إلى ضعف في العطاء ونقص في الجهد الفعال وظهور العديد من الأزمات الإنسانية بانعدام الكوادر البشرية والعلمية والهندسية والعلوم المعرفية والتي أثرت على نفسها مغادرة العراق والهجرة لبلدان أخرى بسبب الأوضاع المأساوية التي عاشها البلد بعد الغزو الأمريكي والنتائج التي ترتب عليها العديد من المشاكل والأزمات المجتمعية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كبير في التنمية البشرية ومستويات التقدم والازدهار والتأثير على الحالة الاجتماعية والانسانية لأبناء الشعب العراقي.

تبقى الأسس الصحيحة والمرتكزات الفعالة هي الوسائل والأدوات التي تعتمد المتغيرات الحاصلة في العالم وبكافة الأطر والسياقات التي تختص بالأنشطة التربوية والتعليمية والفكرية ومتابعتها والمشاركة الفاعلة عبر المؤتمرات العلمية ومراكز البحوث والدراسات بكافة اختصاصاتها لمعرفة مديات ونسب التحقق الميداني لكل ظواهر وقطاعات الحياة.

Similar Posts