أدبيات الهيئة وثوابتها وتأثيرها في واقع ومستقبل العراق (اللاءات الخمس أنموذجًا)
بقلم : أ.حارث الأزدي
الاختصار والتكثيف أمران مجهدان بالوقت والتفكير وهذا حاصل في الكتابة عن لاءات الهيئة لما تضمنته من رؤية متكاملة انبنت عليها تفاصيل العمل الوطني العراقي وهي (الاحتلال، وعمليته السياسية، والدستور، والطائفية، والتقسيم) وعلى مدى عقدين وفي جردة حساب خالية من العواطف يقف القارئ الحصيف لتلك المرحلة المضطربة في تاريخ العراق أمام حقيقة ناصعة أن تلك الأركان إنما كانت ولا تزال تحمل مشروعا متكاملا في التصدي لهذه الداهية العظيمة التي اجتاحت العراق باحتلاله وأن يكون له موقف تجاه من يقف بالضد منها ولا سيما بعد أن تبينت المقاصد والأهداف لمشروع الاحتلال وعملِ من جاء معه.
أرقى ما يتميز به العلماء عن أقرانهم ومن يزاملهم في تلقي العلم أو يشاركهم في تدريسه لطلبة العلم؛ هو تلك المواقف في الملمات؛ فهي بمثابة لواء شاخص يُعرف بها صدق التوجه والإخلاص للعلم، فضريبة العلم إخلاص للحق واستعداد للثبات عليه، وهي تسمو بالعالم العامل ليكون نبراسًا لتبيان الموقف الحق وعدم الانزواء والاكتفاء بالعلم النظري، فتلك المواقف وما يتبعها من ملاحقات واستهدافات وتشويه تمثل خلاصة الفهم الصحيح، ويتمايز بها العلماء وبالثبات عليها وتحمّل صعابها وتحدياتها، مواقف العلماء منارات مضيئة تعين مبتغي الحق للاقتداء بهم والسير على منهجيتهم في التعامل مع مستجدات الأحداث.
علماؤنا أعلامنا ومثاباتنا في معرفة الحق وطريق الصواب ولذلك استهدفهم الاحتلال ومن جاء أو تعاون معه وحاولوا مجتمعين بشتى وسائلهم ملاحقة العلماء ومحاصرتهم وتجريم مواقفهم؛ لمنعنا أن ننهل من معينهم الصافي لكن صدقهم مع الله مهد لهم طريق قبول الناس لهم، فاجتازوا كل الموانع فاستحقوا بذلك أن يكونوا منارات علم وفقه ورشاد يستهدي بها المسترشدون.
ولعل من المناسب في مستهل ورقتي هذه عن اللاءات الخمس لهيئة علماء المسلمين أن أقول:
لاءاتها الخمسُ أركانٌ لمنهجها
فدونك الطرسَ والتاريخَ فاغتنمِ
لاءاتٌ كسنبلات خضر أنبتت مشروعا وارف الظلال، يتفيأ ظلاله العراقيون الصادقون بانتمائهم للعراق ويهتدون بها مناراتٍ مضيئةً وسط تلاطم أمواج المشاريع والمخططات للوصول إلى بر الأمان بإذن الله.
عند خط الشروع قد تتشابه الخطوات لمن لم يمحص دوافع الانطلاق غير أن طول المسيرة وامتداد الطريق وصعوبة التحديات كفيلة في تبيان من كان صادقًا ويسعى لأجل العراق وخلاص العراقيين، وبين من كان منطلقُه من أجل مغانم براقة لاحت له في مخيلته المخادعة.
تشكلت داخل أروقة الهيئة بأذرعها الإعلامية والسياسية والثقافية والاجتماعية والدعوية على مدار عقدين أو يزيد صورة واضحة جلية لم تتضمن قطُّ طرحًا طائفيا لمواجهة الاستعلاء الطائفي المستند إلى تأييد قوة الاحتلال ولا إلى القوة الإقليمية المتمددة في العراق، ولا نفسًا تقسيميا في أقسى مراحل المواجهة وطرح المخططات التقسيمية ولا رؤية تتماهى مع طروحات محتل مباشر أو محتل ثانوي بل كانت حريصة كل الحرص على وحدة العراق أرضًا وشعبا وتاريخا وكل هذا موثق في بياناتها الصادرة بأربعة أجزاء وتصريحاتها الصحفية بجزئين.
اليوم وبعد إحدى وعشرين سنة من المناهضة يقف المنصفون والمؤازرون لعمل هيئة علماء المسلمين في العراق على ناصية الحقيقة ليؤكدوا سلامة النهج وصدق الاستشراف… ولن يجد المرجفون والمناوئون والخصوم غير كيل الاتهامات الباطلة وسوق الأراجيف بغية خلط الأوراق وإبعاد المواطن العراقي عن تأييد خطابها تارة بالتهديد وأخرى بالترغيب بوظائف يحصل عليها عدد قليل فيما تعيش أغلبية الشعب حالة العوز والفقر والحرمان.
========== لا للاحتلال
قالت الهيئة لا للاحتلال وهذه أول اللاءات ورأسها وعليها ترتكز المواقف والتصريحات، وقد صدقت في ذلك والتزمته، فلم ترفع له راية ولم تنتظم معه في لقاء بل طرحت رؤيتها علنا برفض الاحتلال وما نتج عنه وطالبت بجدولة انسحابه، قال عنها الخصوم وقتها إنها محض خيال لا يمكن أن نجده واقعا ثم ما لبثوا أن التفوا فأخذوا العنوان وامتثلوا خاضعين في اتفاقية الإذعان، بل إن أدواتِ المحتل الذين انخرطوا في مشروعه أضحوا اليوم يتقمصون دور المقاوم والمناهض والرافض لمشروع الاحتلال وهم تحت مظلته، وراحوا ينسجون من الخيال قصصا عن بطولات متوهمة.
مشروع الاحتلال الأمريكي يتلخص بواجهة بعناوين خادعة ومضمون تقسيمي يسعى إلى محو العراق وتلاشيه عبر إغراقه بالصراعات الطائفية وتقوية أعدائه.
ومن الشواهد الدالة على التزام هذه اللاءات خلال العقدين الماضيين لقاء الهيئة بالأخضر الإبراهيمي وتسليمه مشروعا متكاملا يتضمن رؤية مثلى لحل مشكلة العراق.
وارجعوا إن شئتم لوثائق المؤتمر التأسيسي للقوى المناهضة للاحتلال
وكذلك الحال في وقائع مؤتمري القاهرة ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦
ثم اقرؤا ما وثقته الهيئة عن اتفاقية الإذعان وارجعوا إن شئتم إلى مبادرة العراق الجامع حيث كانت خط شروع جديد لمن أراد العمل بإخلاص للعراق وغير ذلك كثير لو ذكرناه لطال بنا المقام.
====== لا للعملية السياسية في ظل الاحتلال
وقالت الهيئة لا للعملية السياسية بل للعبة السياسية وهذه ثانية اللاءات المعتمدة لديها، والتي باتت اليوم لا يختلف عليها اثنان من العراقيين بأنها آذت ولم تقدم شيئا مما رفعته لافتة للتسويق المبتذل على شتى الصعد التعليمية والصحية والخدمية بل عملت على تمزيق اللحمة المجتمعية بطروحات طائفية لم تجن منه الطوائف المتاجر بها سوى الخيبة والخذلان ونقص في الأموال والأنفس والثمرات في مقابل إثراء أمراء الطرح الطائفي على حساب المواطن الفقير…. فلا هي بنت العراق ولا هي حكمت مفاصله ولا هي يصدق عليها القول بأنها ذات سيادة فوصفها يتلخص بمجموعة شركاء متشاكسين ينصب بعضهم لبعض شباك الوقيعة وأنها مغنم للنهب والسلب والاغتناء غير المشروع.
إن أي متابع للشأن العراقي لا يجد مفهوما واضحا لما يدور على أرض الواقع في العراق ليطلق اسم دولة ومؤسسات على بلد احتلته الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا فآثار الاحتلال وتحكمه ظاهرة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل وإذا كان الاحتلال موجودا بعديد قواته أول الأمر ثم اضطر للانسحاب فإن وجوده باق في تفاصيل العملية السياسية التي أوجدها فهي صفحة من صفحات الاحتلال، والأخبار والتصريحات من قادة هذه الدول وغيرها تشهد بذلك، وقد عبر العراقيون من مختلف الرؤى والتوجهات بقولهم في شرح أبعاد هذه الفوضى إننا نعيش في ظل (لا دولة) بل إن المتحكم الأساس في مفاصل الدولة هو الميليشيات الممتلكة للسلاح والقرار ولو استعرضت تاريخ هذه العملية السياسية بدءًا من حكومة مجلس الحكم صاحبة بدعة التداول الشهري للخداع السياسي في صورته البدائية، ومرورا ببقية الحكومات المتعاقبة وحتى يومنا هذا لوجدت الدعم الاحتلالي المطلق لمن تسنم زمام أمور العملية السياسية واضحًا بل وتدفع الولايات المتحدة باتجاه عدم سقوط هذه العملية فهي تعدها ثمرة هذا الاحتلال ومهما يحصل من فساد ونهب وتخبطات وصراعات ومشاكسات بين شركائها مسموح به دون سقوطها وليس أدل على ذلك من فوز الخاسر وخسارة الفائز في انتخاباتها بل هي باقية حتى لو انسحب نصف وزرائها أليست هذه لعبة عجيبة بقوانينها ومقتضياتها، وكذلك يأتي دور المتحكم الثانوي (إيران) المتخادم مع المتحكم الأول فقد تعاظم دورها حتى باتت هي من تعين اللاعبين وتعتمدهم حتى وإن كانوا من مجموعة الديكور اللازم في رسم الصورة المتخيلة لهذه العملية المسخ.
أساس الأذى للعراقيين هو تلك العملية السياسية المبتناة على المحاصصة الطائفية والعرقية وتقاسم واردات البلد ولا شك في مثل هكذا أحوال يحاول الشركاء المشاكسة والمدافعة لنيل مغانم أكثر وتحكما أكثر من خلال طرح معضلات التسقيط والترصد للوصول إلى مبتغاهم بالتفرد في السلطة.
============ لا للدستور
وثالثة اللاءت كانت من حصة الدستور الذي جيء به للتصويت بمسرحية الكتابة السريعة وتقنين الطائفية وبرمجة الأحقاد والنزاعات بما يخدم مشروع الاحتلال، وتسويق الانخداع بثياب الناصح الأمين. فلا الناصح صدق في نصحه ولا المنصوح سلم على نفسه بانصياعه الظنين.
وقد أصدرت هيئة علماء المسلمين في العراق بعد دراسة مستفيضة كتابا يشرح بطريقة علمية وقانونية مآخذ الهيئة على الدستور المقترح، واستعانت بمجموعة خبراء وقفوا على مآخذ خطيرة تضمنها هذا الدستور وقد كان الإصدار الرابع من إصدارات الهيئة في عام 2006 بتوقيع اللجنة القانونية في هيئة علماء المسلمين في العراق وقد جاء بعنوان (مآخذ خطيرة على مسودة الدستور المقترح) وقع في 56 صفحة تضمنت المادة التي عليها المأخذ ويليها شرح قانوني يعزز رؤية الناقد لهذا الدستور وبإمكان أي باحث الاطلاع عليه في قناة إصدارات هيئة علماء المسلمين على تطبيق التليغرام.
هذه الدراسة كفيلة بتوضيح هذه المآخذ والمطبات والمشكلات المؤسس لها في هذا الدستور لتكون معضلات مستقبليةً عصيةً على الحل، فلسنا ضد تشريع الدستور ولا القوانين المنبثقة عنه ولكن بشرط أن يكتب بأيدي العراقيين لا أن يؤتى به جاهزا من أقبية الاحتلال ثم توضع عليه رتوش خادعة لعرقنته.
وكان لابد هنا أن أقتبس بعضا مما جاء في مقدمة هذا الكتاب ففيها كشف للرؤية بكلمات بينات.
(إن أصل المشكلة في العراق هو الاحتلال، وما لم تعالج مشكلته فكل عملية سياسية تنفذ في ظل وجوده سيكتب لها الفشل، فضلاً عن عدم شرعيتها …
ومن ذلك “كتابة الدستور” والاستفتاء عليه. ومن هنا فقد تعاملت الهيئة بمسؤولية تامة مع هذا الأمر، وكان موقفها برفضه والدعوة إلى عدم التورط بإقرار شرعيته يتسم بالمبدئية والموضوعية، وذلك للمحافظة على حقوق الشعب، وحماية لمصالح البلد الحقيقية. ومما لا شك فيه أن الدستور الذي يكتب في ظل الاحتلال؛ سيكون أداة لتثبيت ما يرغب الاحتلال بتثبيته على النحو الذي يخدم مصالحهم، كما ستثبت القوى المهيمنة على الواقع اليوم ما تريد إثباته من مشاريع.
وترى الهيئة أن الخيار السليم أمام الشعب العراقي لكتابة دستور بلدهم هو بانتخاب جمعية دستورية في ظروف يتمتع فيها العراق بحريته، وبالسيادة الكاملة على أرضه وثرواته، بعيداً عن هيمنة قوات الاحتلال. وانطلقت الهيئة في رؤيتها هذه من اقتناعها التام بأن هذا الدستور يخضع لسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يراعي مصالحها أولاً ..)
وقد تأكدت هذه الجزئية على لسان السياسيين المشاركين في العملية السياسية أنفسهم، ومنهم عبد الكريم العنزي بقوله (يحاول الأمريكان وضع دستور يحقق مصالحهم وليس مصالح العراق)
وشهادة أخرى من إياد علاوي (إن هذا الدستور ما لم يكن معبرا عن كل العراقيين فلن يكون حلا حتى وإن خضع لاستفتاء عام)
فيما زاد الجرعة السياسي الكردي محمود عثمان بقوله (جاءنا هذا القانون باللغة الإنكليزية فترجمناه وأدخلنا عليه بعض التعديلات)
تلك شهاداتهم على ما جاء في هذا الدستور المؤسس لصراعات مستقبلية لها بداية وليست لها نهاية إلا برفض الدستور.
ونذكر على سبيل المثال لا الحصر أحد بنود هذا الدستور فقد ورد في الباب الأول: المبادئ الأساسية المادة الثالثة العراق والمحيط الإقليمي
العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية).
العراق هو أحد الدول المنتظمة في إحدى المنظمات الدولية الإقليمية والمتمثلة بجامعة الدول العربية، وهو عضو مؤسس لها ، وأحد المعايير القانونية التي تعتمدها الجامعة في قبول الدول في عضويتها هو البحث في دستور تلك الدولة عن نص يعتبرها دولة عربية، وبالتالي يحق لها الانخراط في تلك المؤسسة الدولية الإقليمية، وعد العراق دولة عربية لا يتعلق بالبحث في الهوية فقط، بل يرتبط بالالتزامات التي تترتب على دخوله جامعة الدول العربية طيلة العقود الماضية، وهو يصنّف في الأمم المتحدة بأنه دولة ضمن المجموعة العربية في الأمم المتحدة ، وهذا أيضاً حاصل منذ عقود. أليس هذا ما يطلق عليه في الأدب العربي أول القصيدة كفر.
========= لا للطائفية
أما الطائفية والتعصب الأعمى لها وضرب التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي تستحق من الهيئة رابعة اللاءت لتكون معلما ومرشدا للعراقيين بان طريق الخلاص لهم يتمثل بالتعافي من هذه الأمراض التي جاء بها الاحتلال فكل البلدان تتكون من مكونات عرقية وأخرى مذهبية لكنهم يضمهم ويجمعهم وطن واحد وإن هذه الطائفية التي ذاق العراقيون منها الويلات إنما هي طائفية سياسية يسعى إليها المتنفذون في أحزاب السلطة بكل ما أوتوا من قوة وبمختلف أساليب الخداع ليحققوا غاياتهم.
ووفق هذا التصور أطلقت الهيئة وصفها الذي ظل منارة في توصيف الحال فقد قالت إن ما يجري في العراق ليس أساسه التنوع العرقي ولا التوجه الطائفية بل هو الطائفية السياسية التي توفر لهؤلاء المشتركين في هذه العملية مساحة كبيرة في التحكم وسوق الفتن وتوظيف الطائفية خدمة لتوجهاتهم… بمعنى أوضح ليس هناك صراع طائفي في العراق بل هو سياسة طائفية توظف ادعاءات حماية الطوائف لأغراض سياسية بقصد نيل أحزاب السلطة الاستمراريةَ وبقاءَها متسلطةً على رقاب العراقيين.
وطالعوا للاستزادة أسماء الموقعين على وثيقة مكة في تحريم الدم العراقي وابحثوا في أسماء الموقعين وتبينوا من التزم بها ومن نقض ما جاء بالوثيقة
=========== لا لتقسيم العراق
وخامسة اللاءات كانت موجهة لمقاصد التقسيم الاحتلالية فمما هو متبع في مشاريع الاحتلال إغراق البلاد بالفوضى والسماح بانفلات الأمن وفسح المجال للميليشيات في التحكم بمفاصل الدولة ثم تطرح حلا بتقسيم البلاد لتكون أوصالا ممزعة ينخرها الفقر والاختلاف فيكون الحل هدفا من أهداف الاحتلال. وتصديقا لهذا الرأي أذكر لكم مشروع بايدن يوم كان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ عام 2007، عندما طرح مشروع تقسيم العراق إلى 3 دويلات على أساس قومي وطائفي، كحلّ لمشكلة الاحتقان السياسي في سنوات تنامي الشحن الطائفي بين مكوناته، وتم التصويت عليه من قبل المجلس، أرأيتم كيف تدار الأمور إغراق بالمعضلات وطرح الحل الذي يحقق أهدافهم وليس مصلحة العراقيين وبالتأكيد هناك افهام قاصرة عن الإدراك تهرول وراء هكذا مشاريع تبعا لمخططات ومشاريع يسعى أصحابها لتقسيم العراق ونهب خيراته.
وقد وثقت الهيئة موقفها من تقسيم العراق ببيانات وتصاريح فضلا عن إصدار كتابين عن خطر تقسيم العراق الأول الفيدرالية الخطر الداهم عن مركز الأمة للدراسات والتطوير والآخر الفيدرالية دراسات في ضوء دستور 2005 صدر عن مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية راسام.
ومن الملاحظ هنا مكر وخداع المحتل حين أقدم على مشروع التقسيم فجعله أفقيا وطوليا بحسب ما يريد ويشتهي في تمزيق العراق فهو يقسم المكون العربي بذريعة المذهب ثم يقسم العراق بلافتة القومية فالتقسيمات المزدوجة عادة تمنح مساحة من التلاعب والخداع، فسياسة فرِّق تسد حاضرة وبقوة في مشاريع الاحتلال وفي كل صفحاته العسكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية إنه يريد الوصول إلى غايته بأسلوب المتحكم عن بعد والممسك بخيوط اللعبة عبر الدعم والاعتماد.
وبعد هذه العجالة حسب الوقت المسموح به للحديث عن هذه اللاءات الخمس هل بين العراقيين الأصلاء من يعارض هذه اللاءات وهل يوجد منصف يقول عنها ما ليس فيها… ألسنا نشهد حضورا فاعلا لهذه الرؤى وتلك المواقف وقد قالتها الهيئة منذ بداية الاحتلال وعند تقاطع المخططات أليست هذه الرؤى رائدة ومن حقها أن تكون لها الصدارة في إعادة تشكيل العقل الوطني العراقي بعد انكشاف الوجوه وسقوط الأقنعة.
ولعلني في دقيقة الختام أقول إن مما ثبت لدينا في السيرة النبوية الشريفة يوم نزلت الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) وقف النبي صلى الله عليه وسلم ونادى على بطون قريش وقال الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله. والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وفي رواية (فَإِنِّى نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) …. الحديث.
ونحن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ومن هنا أقول إن ريادة القوم لا تتأتى إلا لمن استشرف مآلات الاحتلال وخبر مشاريعه وناهض مخططاته ولم يدخر وسعا في التحذير منها والتنبيه إلى مخاطرها مستعينا بتوفيق الله وتسديده. فليس من رأى كمن سمِع، وليس من سمِع كمن نقل له، وليس من عرَف كمن لا يعرف….. وهي دعوة لإعادة قراءة هذه المفاهيم فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزامُ الطبيين بل فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب.