العتب والمحبة
الناقد أدهم الشبيب
هل تعرف ما معنى “العتب أو الزعل على قدر المحبة” ، وكيف يكون هذا التناقض ، أي كلما يكون الشخص أقرب و أعز إليك يكون الزعل أقسى والعتب عليه أكبر، هذا الأمر لا يعرفه إلا الصادقون في المحبة أخوية كانت أم أسرية أم عاطفية، ولذلك الأشخاص الفارغون من الصدق والمحبة يستغربون كثيرا من الزعل القاسي لبعض الأشخاص الآخرين عليهم، ذلك أنهم لم يجربوا المحبة الحقيقية ولا يعرفون طعمها وإنما كانت صحبتهم أو أخوتهم أو عاطفتهم إما لمصلحة أو لفترة عابرة أو ربما لتسلية حتى وإن لم يدركوا ذلك ، فبعضهم يحلف لك متيقنا إن صحبته أو عاطفته كانت دون غرض مادي وهو صادق فيما يظن ولكن فاته أن صحبته كانت لتقضية الأيام ولملء فراغ، ودليل ذلك هو سقوطه في التجربة الكبيرة وفي الموقف الأهم أو وقت الشدة والاحتياج.
أما الطرف الآخر فلأنه كان يحس بتلك المحبة كجزء من تكوينه ومن أيامه أو من عاطفته وذكرياته فتراه ينصدم ويغضب غضبا شديدا ويزعل ويعتب عتبا كبيرا ربما يصل إلى المقاطعة كرد فعل على أفعال معينة من أصحابه أو اهله او ممن يحب، فيستغرب بعض الناس ويلومون العاتبين والمقاطعين فيقولون “لماذا يقاطع فلان فلانا بهذا الشكل وهو صاحبه أو أخوه أو حبيبه أو قريبه بينما لا يقسو بالشكل نفسه على الغرباء عندما يغضبونه أو يخذلونه”!
والحقيقة أن الأمر مغلوط فإنما عليهم لوم الآخرين الذين تسببوا بهذا الزعل القاسي أو العتب الكبير، فأصل هذا الأمر أن الصاحب أو المحب كان يعول على صاحبه أو حبيبه تعويلا كبيرا لا يعادله مجموع ما يحسه تجاه الآخرين وما يأمله منهم في شأن ما لذا فإنه لم يكن يتوقع من شريكه هذا أن يخذله أو يخونه أو يقصر معه أو حتى يتأخر عنه مهما بلغ حجم الأمر المطلوب إن كان مقدورا عليه ، فعندما يخذله ذلك الشخص أو يتأخر عنه يصاب بصدمة أو خيبة أمل كبيرة “لا يمكن ان تحصل مع الشخص المقصر البعيد” ويكون هو ضحيتها النفسية اكثر من الطرف المعتوب عليه.
فإن الأذى من هذه الصدمة يلحق – في الحقيقة- بالغاضب والعاتب أكثر من المعتوب بل إن المعتوب ربما لا يكترث أصلا ‘لا على لسانه أو في عقله حيث الاستغراب الذي تحدثنا عنه سلفا والذي يأتي أساسا من خلو قلبه وعاطفته من محبة حقيقية أو صحبة وفية أو عاطفة مسبقة أولية، أما أذى العاتب فآت من لومه لنفسه على ما فرط بحقها إذ كان يبادل الكاذبين محبة صادقة بل إن إحساسه بمرارة خسارة الصاحب أو الحبيب أو الأخ الذي صرف السنين بمحبته ومداراته يعدل خسارة جزء من حياته ولهذا يكون عتبه ممزوجا بغضب وندم فيأتي مؤلما على نفسه حادا صارما على معتوبه.
ولذلك قال أحد الأدباء لصديق كلمه في سبب زعله واستغرابه من جفوته دون عتاب قال “كيف أعاتبك على أشياء لا تعني لك شيئا ولكنها تعني لي الكثير”.
وصحيح أن الشاعر قال:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ،،، صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
ولكن أيضا قيل: “اتق الحليم إذا غضب” فغضبه قليل ولكنه صارم إذ لا يأتي إلا عن نفاد صبر، لذا فإن الذي لا يعاتب في كل الأمور يكون عتبه النادر أقوى وزعله الأخير أكبر وهذا من المنطق فإنه يكون قد تغاضى عن أمور كثيرة وها هو وقد نفد صبره وصدم بمن سامحه وأحبه، ولذا قال المتنبي:
وَالنّاسُ قَد نَبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌ ،،،، يَنسَى الذي يُولى وَعَافٍ يَنْدَمُ
وَالذُلُّ يُظهِرُ في الذَليلِ مَوَدَّةً،،،، وَأَوَدُّ مِنهُ لِمَن يَوَدُّ الأَرقَمُ
وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنالُكَ نَفعُهُ ،،،وَمِنَ الصَداقَةِ ما يَضُرُّ وَيُؤلِمُ.