|

خبر ورؤية| المقاومة.. في ذكرى الاحتلال … جهاد بشير

لا ينفك الحديث في الذكرى الخامسة عشرة لاحتلال العراق؛ عن المأساة التي عصفت بالبلاد في جميع جوانب الحياة المادية والمعنوية والتاريخية والحضارية، وغيرها بما لا يسع مجال محدود أو وصف ملموس للتعبير عنها؛ نظرًا لشدة وطأتها على العراق بلدًا وشعبًا، وتأثيرها المتراكم والمتلاحق على المنطقة التي أدركت متأخرة أنها تمضي نحو هوة من الشتات والفوضوى كان بإمكانها تلافيها لو أنها منعت أو تصدت للغزو والاحتلال، أو على الأقل ساهمت في دعم مقاومته والقوى التي ناهضت مشاريعه.

بعثرة خارطة طريق القوى التي جمعتها المصالح فتعاضدت على الإجهاز على العراق باحتلاله والتمكين لثلة من اللصوص في حكمه؛ هي الحد الأدنى من الرؤية الاستراتيجية التي تبنتها المقاومة العراقية، فضلًا عمّا لدى الأخيرة ـ بشقيها: المسلح الذي تتبناه الفصائل، والسياسي الذي تمارسه قوى المناهضة ـ من مشروع بنّاء يتجاوز بمدى واسع حد الميدان العسكري، إلى تأسيس حياة مثلى تبدأ من تحرير العراق وترميم نسيجه المجتمعي الذي كان من أولويات الاحتلال تمزيقه ومحو قيامه على أسس التعايش من ذاكرة الأجيال الناشئة تمهيدًا لمراحل متقدمة من السيطرة الفكرية والثقافية.

مشروع المقاومة ليس مقتصرًا على مرتكزات محدودة النوع أو مقيدة الأطر؛ بل له مستويات متعددة تتصاعد تبعًا لأوضاع الميدان، ويُعمل بها وفقًا لأولويات الواقع، تتجه صوب بناء بلدٍ موحدٍ في أرضه وشعبه، وتأسيس منظومة حكم وطني الوسائل إنساني الثوابت، ينطلق من مبادئ تقوم على أسس التداول السلمي، والحوار النزيه، ودعم طرق العلاج المتقنة في ظل اعتماد التعددية السياسة في بناء الدولة، ومحاربة الاستبداد وقطع طرق الإقصاء، لتكون هذه المساحة ممهدة لإيصال العراق إلى مرتبة الاستقلال والسيادة وتسنم مكانة بين الأمم والشعوب تليق به وبتاريخه وحضارته، علاوة على ما يتعلق بذلك كله من لوازم ومقتضيات لم تدخر المقاومة جهدًا في الإفصاح عنها وتبيانها طوال عقد ونصف من السنين.

وإذ نجح مشروع المقاومة إلى حد بعيد في تحقيق الحد الأدنى من رؤيتها، فإن بقية المستويات لم يتوقف العمل بها كما يظن كثير من الناس، ولاسيما تلك الفئة التي تنظر إلى الأحداث من نوافذ وسائل الإعلام الموجّه التي يتحكم بها الاحتلال وأدواته المحلية والإقليمية، فلا يجتمع عند هذه الفئة من معلومات سوى ظواهر مصطنعة ومفاهيم مقصودة يُراد لها أن تزدحم بين الناس وتتفشى لتغدو بعد حين قناعات يظن المروجون لها أنها سترسخ وتثبت. 

ومع الذكرى الخامسة عشرة للاحتلال، لا ينبغي للراصدين والمتابعين الاكتفاء بتوسيع دائرة الندب والرثاء على ما آلت إليه أوضاع العراق، دون التعبير عن دور المقاومة واستذكر تضحيات أبنائها، ومحاولة العمل لدعمها وبث روح الإقدام لدى الشعوب المسلمة لتغيير مفاهيمها تجاه العمل المقاوم الذي يسعى الغرب وعملاؤه إلى طمسه تحت مسمى (الإرهاب) في مغالطات تتنامى وتتكاثر يومًا بعد آخر.

وحتى لا يكون في الصورة غواش؛ جدير بالمتابعين أن يتذكروا، وبمن وصلوا متأخرين إلى مسرح الأحداث أن يُدركوا؛ بأن دور المقاومة العراقية في التخفيف من وطأة وشدة آثار الاحتلال كبير وثمين، والتاريخ يحفظ ملفات في هذا السياق ستطلع عليها الأجيال اللاحقة بلا شك؛ بعدما كانت لدى قوى الاحتلال خطط تبلغ من فظاعتها  مبلغًا لا يُتصور، ولا يُدرك بوصف؛ وكان لها ـ لو أنها نفذت ـ أن تأكل أخضر المنطقة ويابسها، ولصارت بعض الدول ـ التي أخذت تدرك الخطر مؤخرًا ـ  أثرًا بعد عين ولبلغ بها الانهيار حدًا ربما يكون أسوأ مما حصل في العراق.

تجلى دور المقاومة في الحد من ذلك وكثير غيره؛ في مشاهد عديدة من الواقع العراقي وفي تباين أحداثه، وأظهرته مرارًا مواقف وتصريحات أدلى بها قادة من الجيش الأمريكي وبعض سياسيي البيت الأبيض، وثلة من أدوات واشنطن وطهران في العملية السياسية؛ حملت بين طيّاتها مؤشرات تقضي بأن خطط الولايات المتحدة وحلفائها أخذت تتغير وتتراجع ويؤتى ببدائل طارئة في التعامل مع المشهد العراقي؛ لأن المقاومة عرقلت وأفشلت خططًا متعددة كانت مرسومة ولم تجد متنفسًا لتُنفذ.

مما يهم في هذه المرحلة من تاريخ العراق المعاصر؛ أن تلتفت الأنظار إلى حقيقة الواقع، وتبصر مجريات أحداثه بوضوح؛ فموجة الوعي الشعبي الغاضب من مخرجات الاحتلال والناقم على نتاجات العملية السياسية؛ مؤشر واضح على تنامي ثقافة الرفض، التي انطلقت المقاومة منها،  ليدرك المتابعون بشكل مباشر أو غير مباشر أن المشروع المقاوم في العراق ليس بميت ولا متلاشٍ، وأن له تأثيرًا في ثقافات الناس بإثباته صحة مساره، ولكنه مغيّبٌ ويخضع لمحاولات طمس ونسيان، قد يبدو لأصحابها أنهم نجحوا فيها، حينما يُنظر إلى الأحداث بظواهرها، لاسيما ذلك النوع من المحاولات التي تأرجحت بين مؤامرات ومغالطات، أُريدّ بالأولى منها كبت عمل المقاومة وكتم أصواتها، وبالأخرى خلطها باتجاهات فكرية ومنهجية لم تكن يومًا تنتمي لأدبياتها.

Similar Posts