|

قوى إنسانية

كل الذين يعانون من مشكلة تؤرقهم أو ضيقة تسلب منهم راحتهم وأمانهم يظنون أو يتبادر إلى أذهانهم حتماً في لحظة يأس متوقعة أن مشكلتهم حلها الوحيد قوة خارقة غير موجودة في الواقع!!

ثم تبدأ رحلة البحث عن بدائل تشبه هذه القوة أو توازيها فيذهب البعض لمن هم أعلى منهم سلطة وآخرون للدجالين والسحرة…وآخرون يتكلون على أنفسهم ووساوسهم حتى ينتهي بهم الأمر يائسين محبطين من استمرار المشكلة بل وانعقاد حلقاتها أكثر.

لو تفكرت قليلاً لوجدت أن جميع المشاكل وكل ما تعانيه حله يبدأ منك وفيك وعندما خلقك الله أودع تلك القوى الخارقة التي تتمنى وجودها فيك غير أنك لا تتقن استخدامها واستغلالها بالطريقة الصحيحة والتي تناسب ما تمر به!!

ففي مشاكلك اليومية والتي تتمثل بخلافات بسيطة تكبر بالصراخ والغضب وعدم المرونة لا تحتاج سوى لـ”قوة التغاضي من أجل دوام الاخوّة” وفي مشاكل المنزل والعائلة لا تحتاج سوى “قوة العطاء والمحبة” مشاكلك مع زوجتك لا تحتاج سوى “قوة التفهم” ومشاكلك مع ولدك لا تحتاج سوى “قوة الصبر” مشاكل الحياة ومصاعبها على اختلاف درجاتها لا تحتاج سوى ل”قوة الإيمان بأن الخيرة فيما اختاره الله” وكل هذه القوى موجودة فيك لكنك تكبس على زر عدم التفعيل أو تتناسى وجودها حتى تظن عدمها.

ومن صور رحمته ولطفه سبحانه أن جعل عدداً لا بأس به من هذه القوى يتجلى للجميع في رمضان وكأنه سبحانه خلق لك القوى ثم زودك ب(كورس) تدريبي مدته شهر كامل يعلمك فيه كيفية اكتشافها وتوظيفها…

تعالَ نكتشف بعضها:

 لو نظرت إلى حالك في غير شهر رمضان وأنت تدخل بيتك في ظهيرة صيف حارة تهرع فور دخولك لتناول الماء البارد وتصرخ هنا وهناك ليشغلوا المكيّف ثم تتلف أعصابك لمجرد تأخر سفرة الغداء لأنك منهك من يوم عمل طويل حار، أما في رمضان فذلك الظمآن الغاضب يعود للبيت وقد سيطر على ظمئه ويحاول جاهداً وينجح في ضبط أعصابه، أهي قوة خارقة حولتك من سلوك إلى ضده تماماً؟!

من أين لك هذه القوة ومن تدخّل سواك في هذا؟

لو كنت في الشارع في غير شهر رمضان ودخلت في زحام شديد ثم تعرضت لحادث تصادم بسيط أدى لتلف ضوء سيارتك الخلفي لتعالت أصواتكما أنت والسائق خلفك بالشتائم وإلقاء اللوم وقد يتطور الأمر لمشادات عنيفة بينما يتجاوز كل هذا في رمضان بكلمة “حصل خير ورمضان كريم” وأنا حاضر لما تأمر به لينتهي الموضوع بأن تصفحا عن بعض لأن ما حصل قدر، من أين لك يا ترى هذه القوة الخارقة؟

الكثير من الناس يختمون المصحف مرة على الأقل خلال شهر رمضان غير أنهم لا يجدون الوقت في غيره لزيارة والديهم مثلاً ناهيك عن التفرغ لقراءة جزء في اليوم!!

فمن أين جاء الوقت؟

وما هي القوة الخارقة التي مددت اليوم ليكفي زيارات وتلاوة وعبادة؟!

في شهر رمضان غالباً تنتشر موائد الرحمن هنا وهناك وطرود غذائية وتبرعات ملابس العيد… الخ فيشبع الفقير قبل الغني ومهما تزايدت أعداد الناس المتعففة والنازحين والمخيمات زاد الخير وأهله ووصل إليهم ما يجب أن يصلهم ويكتفي الجميع وكأن قوة خارقة أشبعتهم وكستهم لكن الحقيقة لم تكن كذلك هي مجرد نية خير وعمل صالح ومحاولات جادة وجهد بذل بإخلاص والنتيجة تثبت أن في داخلنا قوى خارقة.

الأمثلة الأخرى ستجدها بمجرد أن تفكر بالموضوع بهذه الطريقة وتجد نفسك تتدرب في رمضان ليس على الصبر والعطاء وتنظيم الوقت فقط بل تتدرب على اكتشاف قدراتك، أنت في رمضان تكتشف نقاط قوتك وتستغل طاقتك الإنسانية كما يجب، في رمضان أنت تتعلم أن ما من مشكلة خُلقت دون أن تكون في “القوى الإنسانية” حلها.

رمضان شهر يدربك على الطاعة ويسمو بروحك كل عام لكن اليوم وبعد أن اكتشفت قواك الخارقة اجعل من رمضان شهر تدريب مكثف على اكتشاف قوتك وكيفية استغلالها بما يجعل منك إنساناً تفعل ما خُلقت لأجله ولتتذكر فيما بعده من أيام أنك كلما مررت في مشكلة ما؛ أن القوة الخارقة التي تبحث عنها موجودة فيك أنت والقاعدة الأساسية كل ما نحتاجه لنحل مشاكلنا ونتجاوز أزماتنا “قوى إنسانية”.

Similar Posts