(عشرون عامًا والعراقُ جريح)
الشاعر: محمد نصيف
عشرونَ عامًا والعراقُ جريحُ
وكأنَّما أملُ الخلاصِ ذبيحُ
والأرضُ مِنْ هولِ النزيفِ تصيحُ
عشرونَ عامًا قلبُ دجلةَ مثقلٌ
بأسى الفجيعةِ والفراتُ ينوحُ
لكأنَّما وجعُ العراقِ مقَدَّرٌ
وطنٌ تُورِّثُهُ الجروحَ جروحُ
بغدادُ إذ قطعَ الغزاةُ وريدَها
دَمُهُا بأيِّ خطيئةٍ مسفوحُ؟
والمجرمُ السفّاحُ صارَ مشرِّعًا
للعدلِ وهْوَ مُكرَّمٌ ممدوحُ
بغدادُ من عشرينَ يفضحُ دمعُها
ظلمَ الطغاةِ وجرحُها المفتوحُ
ذبحوا عروبتَها بخنجرِ أهلِها
بعضُ الأقاربِ غدرُهُم مفضوحُ
طعنُ الخيانةِ مؤلمٌ وأشدُّهُ
طعنُ القريبِ، ويصعبُ التصريحُ
تذوي النخيلُ الباسقاتُ بقهرِها
مأسورةً وشموخُها مذبوحُ
وتئنُّ إذ تَصِفُ الأنينَ حروفُنا
وتغصُّ في عمقِ الأنينِ شروحُ
لا دينَ يشفعُ في العراقِ ولا تقًى
فمحمدٌ مُدمًى بهِ ومسيحُ
وشوارعٌ وأزقةٌ ومقابرٌ
بروائحِ الموتِ المُشاعِ تفوحُ
ومساجدٌ وكنائسٌ شَبَعَتْ أسًى
تتلو الصلاةَ يمضُّها التبريحُ
عشرونَ عامًا والسلامُ يخونُنا
وبوجهِهِ – كي لا نراهُ – يُشيحُ
ويَشحُّ إذ ترجو السرورَ قلوبُنا
زمنٌ عقيمٌ بالسرورِ شحيحُ
كم نازحٍ ظنَّ النزوحَ مخلّصًا
فيقودُهُ نحو الهلاكِ نزوحُ
آذارُ مِنْ عشرينَ لم يبهُجْ بهِ
زهرٌ ولا وجهُ الربيعِ يلوحُ
نيسانُ مِنْ عشرينَ يحملُ نعشَهُ
وبحزنِهِ وجعُ الحقولِ يبوحُ
نزعوا جمالَ عراقِنا وبريقَهُ
فأحاطَ وجهٌ بالعراقِ قبيحُ
حرموا طيورَ الحب تنشرُ شدوَها
وطغى على شدوِ الطيورِ فحيحُ
بغدادُ وجهُكِ سارحٌ في خاطري
وجهٌ على رغمِ الحدادِ مليحُ
مدنُ العروبةِ كالثكالى نوحُها
وتموتُ قهرًا صوتُها مبحوحُ
تبكيكِ يا بغدادُ وهي أسيرةٌ
أحلامُها كم خانَها التسريحُ
حكّامُها خلعوا الحياءَ وسرَّهُم
ذُلٌّ وحبٌّ لليهودِ صريحُ
نارُ المجوسِ تُشَبُّ حولَ قصورِهِم
وكأنَّهُم فوق العروشِ شُبُوحُ
عشقوا انبطاحًا حاضنينَ عروشَهُم
ولهم يساقُ منِ النفاقِ مديحُ
عجبًا يُظنُّ بأنْ يعلّمَ جيلنا
معنى البطولةِ حاكمٌ مبطوحُ
لكنَّنا وإنِ الدروبُ تعسّرتْ
نمضي فتشهدُ بالمفاخرِ سوحُ
شعبَ العراقِ لكَ الخطوبُ شواهدٌ
تروي وسفرُ فخارِها التوضيحُ
قممُ الجبالِ على المدى لكَ موطنٌ
ما شاغَلَتْ فيكَ الطموحَ سفوحُ
بالحقِّ فاجهرْ في وجوهِ طغاتِها
واصدعْ بهِ، لن يجديَ التلميحُ
أقدمْ بسيفِ الحقِّ دونَ ترددٍ
واضربْ بهِ، لا ينفعُ التلويحُ
واحذرْ فلا تجنحْ لسلمٍ لم يكنْ
ممَّنْ يعادينا إليهِ جُنُوحُ
لا صفحَ عن فعلِ اللئيمِ فما نجا
مِنْ سوءِ أخلاقِ اللئيمِ صَفُوحُ
وازحفْ إلى مرمى طموحِكَ ثابتًا
ما خابَ عند الثابتينَ طموحُ
فاللهُ يجزي الصادقينَ إنِ اتقوا
وجزاءُ تقوى الصادقينَ فتوحُ
ولسوفَ تنهضُ يا عراقُ مؤزرًا
وبكلِّ رأسٍ خائنٍ ستُطيحُ
سيرفُّ في أفقِ العلاءِ لواؤنا
وتُظلُّنا بذرى العلاءِ صُرُوحُ