أقول لكم | لا حل في الأفق إلا في نهاية المقال

حارث الأزدي

ليس كل ما يتصوره المرء يدرك خطورته، أو أنه يعلم جيدا طريقة الوصول إليه، وقد تختلط الوسائل بالطرق فتكون إحداها مكان الأخرى ولكي لا يكون الكلام فلسفيا محضًا ولا نظريًا مبسترًا منزوعا من التجارب الغنية، دعني عزيز القارئ وإياك  نسبر أغوار بعض التجارب دون تسميتها حتى لا يزعل منا أتباعها اما أصحابها فهم أرحم كثيرا من هؤلاء الأتباع فقد كانوا يتفاعلون مع الرأي ويناقشونه ويمتلكون أدوات دفاعهم عن الفكرة المتبناة، أما اليوم فليس بيد الأتباع إلا التعصب الأعمى والدوران حول الفكرة دون معرفة كنهها، ولا يجيدون الدعوة إليها سوى بالتهريج والصراخ والجلبة في صورة تشبه كثيرًا تشجيع الفرق الرياضية في ساحات كرة القدم الشعبية وإن كان تشجيع الفرق الدولية والمحلية لا يقل إثارة وهوسًا وتعصبًا عنها، ولو أنك استعرضت أبواق هذه الحركات فلن تجد صعوبة في تصنيف هوسها وتخيلاتها المتوهمة وصرخات همهماتها التي لا تعرف منها سوى لافتات الإعجاب بإنجازات ماضية، أو بطولات فردية، أو مشاريع افتراضية لها هيكلها التنظيمي الافتراضي أيضا دون وجود لإنجاز على أرض الواقع، وإذا ما جوبهوا بأسئلة صعبة وجريئة ومتخطية لخطوطهم الخضراء والصفراء والحمراء ستجد الإجابة دائمًا تتعلق بشماعة الواقع والظروف غير المواتية، مغلفة بلافتة صحيحة المبنى تقول عليك العمل ولا تنتظر النتائج ولكن استخدامها هنا خاطئ ومريب ويقصد به التعمية، وللجواب عليها نطلب: دُلني على العمل الصحيح والنية الخالصة ولن أسألك عن النتائج وأرجوك لا تتقمص قميص نوح بدعوته ألف سنة إلا خمسين عامًا ولا تتزيا بزي يوسف يوم صار وزيرًا في وزارة لا تنتمي لعقيدته لكنه كان يملك قراره ولم يكن منفذا لرؤية غيره.

ومما تقدم تتزاحم أسئلة مجهشة في البكاء على حالنا، في محاكمة الجماعات والأحزاب التي استلبت عقودا من الزمن بمقتضى فكرة نشأتها وبمقتضى عملها قبل أن تصل إلى مرحلة المراجعة والتي أفضت إلى التشظي والانقسام، فهل مطلوب منا أن نكون جماعة واحدة أم أن الأمر متاح بالتعدد ويكفينا ابتداع الإطار التنسيقي لا الانصهاري في توحيد الجهود وكلٌ يعمل على شاكلته؟ وهل الذين غلَّبوا الجانب السياسي على الدعوي كانوا سياسيين بحق ولديهم رؤية وإجابات لمعضلات المشاريع المطبقة في البلاد؟ أم أن الذين رجحوا كفة الدعوة وبناء الإنسان والاعتناء بالرقائق وصلوا إلى مبتغاهم؟ دعنا نصعد بوتيرة الأسئلة إلى منصة أعلى ما الذي أنتجته هذه الحركات غير أنها كانت رقما في معادلة مرحلة تدور حيث تتجه الرياح السياسية المتحكم بها من قبل من بيده مقاليد السلطة؟ وهنا نقول هل السعي إلى السلطة غاية أم وسيلة؟ وهل المراجعات التي دارت رحاها في السجون وسوح القتال كانت منتجة أم ممزقة؟ تعال إلى حيث السؤال الأزمة ثمة من يقسم العاملين في ميدان الدعوة إلى الشرعي وغير الشرعي ويقصد بها امتلاك الشخص لشهادة جامعية أكاديمية تؤهله لممارسة الحياة الإسلامية والدعوة لاستئنافها، فهل يعني ذلك أن غير الممتلك لتلك الشهادة مبعد عنها؟ هل كان الخلفاء والرؤساء مجتهدين وقادرين على الترجيح ولماذا كان لهم وزراء ومستشارون في ميادين الفقه والأحكام وإدارة الشؤون؟ هل حكم من الصحابة أفقههم أو أقرؤهم؟ نكتفي بهذا القدر من الأسئلة ونقول: يَعيب كثير من المنتمين للحركات مفهوم الحزبية والتحزب بذريعة المَيل (وهذا اتهام في الإخلاص مع سبق الإصرار والترصد) والتأثر برأي الحزب أو الجماعة التي ينتمي إليها وهذا وارد لأنه آمن بمبادئ وآراء هذه الجماعة وقد يختلف معها فإن كان ذا رأي سديد وقوي قد يؤثر فتنزل الجماعة عند رأيه، وقد يختلف عنها فيحتفظ برأيه ويبقى داخلها أو أنه يغادرها، ولك في مدارس الفقه الإسلامي أمثلة كثيرة وإن كنت غير متخصص في الشرع ولا يحق لي الاستشهاد بذلك لكن على الأقل هذا ما عرفته من قراءاتي، وفي خضم هذا الجدل العقلي الدائر في ذهني، لمعت فكرة أن فقيها مستقلا سيطر عليه الميل إلى رأي دون آخر واتخذ منه  منصة لمناهضة الآراء الأخرى – مع أن الاستقلال يشبه تماما في وقتنا الحاضر سيادة الدول الوظيفية – فهل تُراه هنا مستقلًا أم متحزبًا مَيليًا (من المَيل)،أأ

 لست هنا مدافعًا عن الحزبية والتحزب ولا مهاجمًا لها، ولست مع عدم الالتزام والرأي الكيفي، متى ما عنَّ على خاطره المغادرة يغادر غير مسؤول عما سبق والتزم به، فهذا يتنافى مع الإيمان بالفكرة فتصبح ترفًا فكريًا ترفيهيًا تمارسه عند الشوق إليه وتعافه إذا رغبت عنه.

أزمتنا كبيرة وليس بمقدور مقال أو مقالات أو كتاب ولا كُتب أن تحلها إن لم تكن إرادة صادقة جماعية تقصد وجه الله للوقوف على العتبة الأولى في إعداد النفس وتربيتها وحملها على ما تكره، لن أدعو لإقامة جماعة جديدة فالفضاء يعج بأمثالها وإن كانت مختلفة عن مثيلاتها ولكنها ستزيد المشكلة تعقيدًا، علينا التخلص من إرث القداسة المتوهمة وأحقية القول لهذا الشخص دون غيره لا لعلمه بل لما يمتلك من مميزات، فلرُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وليس المرء بكبر سنه وإنما بأصغريه لسانه وقلبه.

سبعة عقود وتزيد من الحركات والتجارب منها المقتربة من الفعل الناجح في مرحلة من مراحلها، ومنها الفاشلة منذ بداياتها، وها نحن اليوم إزاء ركام من التجارب نعاني أسرها ولا نزال نقرأ لكتابات خارج النص بل وتتجرأ عليه ليس فيها من الاستنباط الصحيح شيء، أما الكتابات الجديدة فغالبها تدور في فلك تلك الكتابات، الدعاة الوظيفيون صاروا الان علماء أكاديميين ولا يقبلون العمل الا في الإطار الرسمي مع ضمان تنفيذ سلم التدرج الوظيفي وتأمين التقاعد، حتى ميزة التفرد البطولي كتابةً ورأيًا اختفت من عالمنا، فلم يعد بإمكاننا الإشارة إلى مفكر مُجدد يأخذ بتلابيب الجميع (ومنهم أنا) ويهزهم لينتبهوا ولكننا غافلون والله المعين.

Similar Posts