همسة حواء: نختار الحياة دائماً … طيبة الخزرجي
زاوية تأتيكم من جريدة البصائر
نحن شعب يتفنن في العيش ويجد لكل معضلة حلاً كي يستمر بالعيش كيفما كانت الظروف ومهما اشتدت الصعوبات نجد المخرج دائماً مرة بالتحايل على المشكلة وأخرى بالتكيّف معها وثالثة بالهروب منها وتجاهلها.
نحن شعب تعايش مع الحرب بكل تبعاتها من موت وفقدان وأسر ثمان سنوات متتالية، ثم تعايش مع حصار فأكل الخبز الممزوج بنشارة الخشب واستعمل التمرة لتحلية مرارة الشاي، ثم هذا الشعب نفسه لأنه اختبر كل شيء مستحيل، وأحاله ممكناً أصبح من السهل أن يعيش مأساة الاحتلال وما جره عليه من مصائب لاتزال قائمة حتى اللحظة، فنحن الشعب الذي لم يتوانَ عن الاحتفال بالعيد رغم مأساة (تفجير الكرادة)، ولم يتراجع عن إقامة حفلات الزفاف حتى في داخل المخيمات، نحن الشعب الذي ينظف فيه أصحاب المحال المتضررة من التفجيرات الدماء بأيديهم ليطووا صفحة التفجير ويبدؤوا عملهم من جديد، أتساءل هل نحن حقاً نتحدى الموت في كل لحظة ونواجهه؟ أم أننا نعيش الموت كل يوم وكأننا أموات أحياء؟ أم ليس للموت سلطة تُرعب أرواحنا؟
نسخر من كل شيء سيئ نعيشه، ونصير كل المآسي إلى نكات.. أترانا نتحدى بذلك آلامنا؟ أم أننا نسعى لكتم أصوات ضمائرنا والخوف الذي يسكن بين أضلاعنا بأصوات الضحكات؟
في النهاية ومهما كانت الأسباب؛ فإن نقطة قوتنا إننا لا نتوقف عن الحياة ولا نستطيع أن نتوقف ربما تأصلت بنا هذه الميزة منذ القِدم منذ أسطورة كلكامش ومحاولته الخلود… المهم إننا في كل مرة سنجد مخرجاً يضمن لنا الاستمرار في العيش مهما كان حجم التحدي ومهما كان نوع الخسارة التي سنتكبدها، سنحيا بكل ما أوتينا من قوة، وللقضاء علينا كان يجب أن تتحول نقطة القوة ذاتها إلى نقطة ضعف! لكن من اختار الموت يحيا!.
ما حصل أننا رضينا أن نُساوم على الحياة الكريمة، وفي كل مرة نريدها نخاف من الموت ونتشبث بالحياة كيفما تكون؟ فإن كنا نريدها حقًا فلابد أن نقاتل هذه المرة لاستحصالها، تريدونها ليعش أحدكم على حساب موت آخر (لن تنفع هذه المعادلة)، تريدون الحياة الكريمة وأنتم تستحقونها لكن ماذا عن الذين لم يقدموا شيئًا ليحصلوا عليها؟ انتزعوها منهم هذه المرة.
أردنا الحياة فعشناها كيفما تكون، لكن في كل جولة كان الثمن غاليًا ثم أغلى… حتى أضحت الحياة التي لطالما تفننا في عيشها سُم زعاف نتجرعه كل يوم وموت يرتدي زياً يتنفس، تجوب شوارعنا فتجد ألوان الحياة قد بهتت، لم تتوقف الناس عن العمل، لكن توقف الانتاج. لم تتوقف المدارس لكن توقف التعليم. لم تتوقف المحاكم لكن توقف العدل. لم تتوقف حفلات الزفاف لكن اختفت العوائل. ولو توقفنا قليلًا لأدركنا أننا في غمرة سعينا وراء الحياة أضعناها، وضاع منا مبدأ التضحية والسعي والاجتهاد لنحصل على قيمة الشيء قبل عينه.
ختامًا: مهما كانت المعطيات الواقعية التي نعايشها، وكيفما أضحت الحياة التي نعيشها لاتزال الحقيقة التي لا يختلف عليها أحد “أننا شعب حيٌّ”
قد نختبئ في إحدى الزوايا البعيدة ويسبقنا الآخرون في حياتهم وشكلها، قد ننتظر من يلحظ غيابنا ويبحث عنا ويترجانا للعودة.. بينما حكّامنا يستمرون في إحباط محاولات استرداد حياتنا الكريمة، ولكن علينا التوقف عما نفعله دائمًا (سنحيا رغم كل شيء).