العراق.. وحرائق موسم الحصاد
بقلم : جهاد بشير
ما إن بدأ موسم الحصاد في العراق، حتى شبت نيران الحرائق – كما هي العادة في السنوات القليلة الماضية – تلتهم مساحات واسعة جدًا من حقول القمح على وجه التحديد في العديد من المحافظات ولا سيّما تلك التي تعرف عنها وفرة الإنتاجية.
ولا يخفى على جميع العراقيين دون استثناء، تورط الميليشيات المرتبطة بإيران بهذه الحرائق التي بات العديد منها موثقًا بالصوت والصورة التي لا يخلو محتواها في بعض الأحيان من توظيف طائفي على الرغم من أن الضرر الحاصل من ذلك يقع على كل العراقيين الذين يعاينون اقتصاد بلدهم وهو يهوي بسرعة مفرطة، وفي لك مساحة معتبرة من زاوية النظر التي تعكس جانبًا من سياسة التخادم بين واشنطن وطهران بوصفهما قطبي الاحتلال المزدوج في العراق.
من المعلوم بالضرورة أن ملف القمح في العالم بشكل عام من حيث الزراعة والإنتاج والتصدير مرتهن بإرادة أمريكية خالصة تفرض فيها الولايات المتحدة على الأنظمة نسبة محدودة في هذا الشأن؛ ليتسنى لها التحكم بواردات البلدان وجني المكاسب المضاعفة من فرض حالة العوز على الشعوب، ولا سيما في البلاد التي يمكنها أن تحقق الاكتفاء الذاتي من دون الحاجة إلى الاستيراد، والعراق في مقدمة هذه الدول المستهدفة.
وإذا ما أمعن المتابع النظر في واقع العراق الزراعي يجده غارقًا في هذا النوع من المشكلات؛ فعلى صعيد المحاصيل الحقلية وبساتين الفاكهة وما تنتجه من ثمار، ومزارع الأسماك، والدواجن، ومنتجات الحليب واللحوم وغيرها؛ فقد شهدت جميعها حربًا لا هوادة فيها من حيث الإتلاف والتسميم والجفاف المتعمد للأراضي الزراعية، وفرض حالة مجتمعية واقتصادية أجبرت الفلاحين على الهجرة من القرى نحو المدن، فضلاً عن الاستهداف الممنهج للقرويين بدوافع طائفية في مساق مشروع التغيير الديموغرافي؛ كل ذلك بهدف إبقاء حالة انعدام الأمن الغذائي لدى العراقيين قائمة وتضاؤل فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي، والمغزى من هذا بمجموعه يتجه نحو جعل العراق بحاجة دائمة للاستيراد.
وإذا شدد المتابع نظره في المشهد العراقي وألقى أضواء اهتمامه على حالة السوق وما يصاحبها من تثقيف تجاه أنواع مخصوصة من البضائع التركية والسعودية – على سبيل المثال – من حيث الدعوة لمقاطعتها تحت ذرائع سياسية وطائفية؛ يخلص إلى نتيجة مفادها أن السلطات الحكومية المتعاقبة وفي ظهرها الميليشيات التي تحرّكها طهران تعمل بجد على جعل العراق رهينة للبضائع والمنتجات والمحاصيل الإيرانية، ولا ريب أن المبتغى من هذا هو إنعاش الاقتصاد الإيراني على حساب إزهاق نظيره العراقي.
أمّا على صعيد القمح الذي يُعد محور الأمن الغذائي لدى الشعوب عامة، فإن إيران وإن كانت منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” قد صنّفتها ضمن قائمة أكبر المنتجين له، فإنها تستورده بنهم لتصل إلى نسبة شبه متساوية بين الاستيراد والإنتاج، وإذا كانت بحاجة إلى كل هذه الكمية فإن من باب أولى أن تسرق القمح من العراق لا أن تحرقه، فلماذا إذن تطلق العنان لميليشياتها من أجل إتلاف عشرات الآلاف من الدونمات سنويًا قبل موعد الحصاد بأيام معدودات؟ !
لا شك أن لهذا النوع من الجرائم – وهي جرائم ممنهجة مقصودة الضرر باقتصاد العراق في المقام الأول – أهدافًا ذات اتجاهات متوازية، يأتي في مقدمتها تحقيق المقصد الأمريكي الذي أشرنا إليه آنفًا من حيث الأصل، وهو ما يكشف حقيقة العلاقة التخادمية بين طهران وواشنطن ويسقط كل دعاوى الخلاف بينهما في المرحلة الحالية على أقل تقدير، ثم إن وصول العراق إلى حالة الاكتفاء الذاتي من القمح يحول دون أن تتلاعب الأحزاب والشخصيات السياسية بعقود الاستيراد وإضفاء بصمات الفساد عليها لتستولي في ظلها على أكبر قدر ممكن من الأموال التي تنتفع منها طهران في آخر المطاف، علاوة على أن الغوص في أعماق هذه المشكلة أكثر يعطي معلومات تفيد بأن إيران تعلب دورًا في توريد دقيق القمح إلى العراق – الذي تستورده أو تنتجه – عبر المنافذ الحدودية الغارقة بالفساد إداريًا وماليًا، مما يعني أن تهريب المخدرات من خلال الدقيق يعد العملية الأكثر نجاحًا لدى إيران وميليشياتها، وهي تفعل ذلك دون أن تنظر إلى حاجة الشعب الإيراني الماسة للقمح ودقيقه، لأن النظام في طهران تجاوز حالة الديكتاتورية منذ أمد وبات أنموذجًا للطاغوت بكل معاني المصطلح ودلالاته.
قطاع الزراعة في العراق شأنه كبقية القطاعات الأخرى، تتفاقم معاناته وتتدهور حالته على نحو يصعب وصفه، وهو فوق ذلك لا يحظى باهتمام الرأي العام كما ينبغي، حيث يتقاسم طرفا الاحتلال مكاسبهما على حساب العراقيين ومصادر عيشهم وأمنهم على حياتهم ومستقبل أولادهم؛ ولأجل ذلك يعود الحديث للعراقيين عن مقاومة هذا الاحتلال والثورة ضد أدواته الفاسدة والعمل على اجتثاثها بالكلية؛ ليكون أقوى من أي وقت مضى، لأن هذا النوع من العمل المقاوم ضرورة حياة وفرض وقت لا ينبغي التقصير في الإعداد له، والله غالب على أمره.