العملية السياسية و موظفة “الإحاطات”
بقلم : جهاد بشير
لم تكن الأمم المتحدة على مدى تعاقب ممثلي أمينها العام في العراق عاجزة عن توصيف العملية السياسية أو غير قادرة على فهم مشهدها وتفكيك سيناريوهاته، وفي كل مرحلة عاشتها بعثتها في كنف حكومات الاحتلال المتعاقبة لم تكن إلا شاهد زور لا يحيط مجلس الأمن علمًا إلا بما تهواه الولايات المتحدة أو يرغب المجلس ذاته أن يسمعه.
وبينما يظن كثير من الواهمين أن ما جاء في إحاطة ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق الأخيرة نقطة تحول نحو إصلاح أو تغيير، تصر بلاسخارت ومنظمتها على ألا تمس قواعد اللعب الأساسية التي بنت واشنطن عليها عمليتها السياسية، وترفض بشدة أن تشخّص مشكلة العراق في النظام السياسي ببنيته ومحدداته ومقتضياته.
لم تخرج ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في إحاطتها الأخيرة عن سياقات ما التزمت به ومن سبقها من الممثلين تجاه العملية السياسية بوصفها “البوتقة المقدسة” التي لا تُمس، أو بمعنى أدق: التي لا تريد الولايات المتحدة أن يذكرها أحد بسوء؛ لأنها جعلت منها واقعًا مفروضًا تريد من الجميع أن يخضع له وألا يجعل منه مشكلة تستلزم تغييرًا أو استبدلاً، وكل ما جاء في الإحاطة الأخيرة التي طارت ركبان بعض القوم بها بأجنحة آمال موهومة، هو توصيف معروف ابتداءً لدى القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعلمية السياسية، وتصديق على ما هو بدهي طالما عاندت بعثة الأمم المتحدة في الإقرار به.
استمع مجلس الأمن مؤخرًا – وبشكل روتيني – إلى وصف للمرحلة الحالية من المشهد العراقي رغم أن ساعي البريد الذي أوصل هذا الوصف سبق له أن استمع لهذه الحقيقة وتجلت له في مناسبات تُظلم إن حصرناها بعدد على مدى عقود حينما كانت وما تزال هيئة علماء المسلمين في العراق تعطي مواقفها تجاه العملية السياسية وتخاطب مبعوثي أو ممثلي الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو من له صلة بهما بكل شيء بوضوح ودقة، أثناء زيارات مخصوصة أو عامة، وفي رسائل مفتوحة أو خاصة، ولأن الهيئة هي أوثق مَن على الساحة العراقية؛ فإن ضرب الأمثلة على معرفة المنظمات الدولية بحقيقة ما يجري في العراق ينتهي عند هذا الحد.
وإذا كان مجلس الأمن ومن قبله الأمم المتحدة وغيرهما يعرفون جيدًا حقيقة المشهد؛ فإنهم في كل ما سبق من مراحل تضمنت إحاطات وقرارات ومناقشات يراوغون في التصريحات، ويدلسون في التوصيفات، ويتخذون القرارات المعوجة عن قصد وسبق إصرار؛ فقط حتى لا تخرج الرؤية عن مسار واشنطن ومن يتحالف معها ممن تسمى القوى العظمى التي هي بالضرورة تكوّن مجلس الأمن وتفرض على الأمم المتحدة برامجها.
ورغم كل الاعترافات التي أدلت بها بلاسخارت وفضحها حقيقة أحزاب السلطة وفسادها وعدم جدوى الانتخابات، ورداءة الدستور؛ فإنها لم تكن مؤهلة لطرح أفكار جديدة للتغيير خارج حدود العملية السياسية، ولم تجرؤ على التطرق لحلول غير تلك الحلول العبثية التي تندرج تحت مسمى “الإصلاح” من بوابة ما أسمته “الحوار”، في تناقض يبعث على السخرية تارة لكونها تطلب حوارًا بين أحزاب اعترفت هي بنفسها أنها مسلحة وأن لغة فعلها في الشارع العراقي هو السلاح، ويدعو إلى الإشفاق تارة أخرى على فئات من الأحزاب والشخصيات تصنف نفسها “معارضة” للعملية السياسية حاولت رفع راية التفاؤل بأن تغييرًا سوف يحصل، فأمسى أحدهم كمن يحاول اتقاء المطر بغربال، والله غالب على أمره.