الشيخ حارث الضاري حياة وممات

الشيخ لطيف السعيدي

( ياأيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي ) 27-30 الفجر.
نعم كان الشيخ حارث الضاري رحمه الله تعالى، مؤمنا بقضاء الله وقدره،مطمئنا بنصر الله، يراه قريبا كلمح البصر (……ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) 40 الحج.

في أحد الأيام كنت ضَجِرا متشائما من سطوة الفرس الصفويين وطول المدة وعذابات الناس، وغربتنا التي لا تنتهي.
فقال الشيخ رحمه الله مبتسماً ( ها، يئست لو تعبت، الدرب طويل يخوي ). ثم أخذ يتحدث عن العراق والموقف الدولي والإقليمي. ويبشر بقرب النصر، بناءاً على إرادة العراق وثواره والأحداث المتتالية في المنطقة كنتيجة لإحتلال العراق .

نعم الرجال كثر والإدعاء كثير والمحن تختبر الرجال، الموقف يعني  الثبات على الحق، الاختبارات تصقل الابطال وتضعهم على الدرب الصحيح، ثم المجتمع والتاريخ يحكم بعد الله.
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينظر وما بدلوا تبديلا ) 23 الأحزاب
عاش حارث رحمة الله كما عاش اسلافه حراً أبياً مقداماً أمينا، لا يساوم على دينه ووطنه وامته.

فحمل الأمانة كعربي مسلم متفقه كما قال في مسجد أم القرى في بغداد 8/4/2005 ميلادية، ” لأني في مقام الأمانة التي يجب أن يعرفها الشعب “.
نعم هذا حارث الضاري رحمه الله حمل الأمانة كاسلافه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعاً، كان واضحا في عمله ومقاصده كوضوح الشمس في رابعة النهار، إنه التاريخ يتكلم .
أبو المثنى أسكنك الله في جنة الفردوس الأعلى مع ( ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) 69 النساء.

أبو المثنى رحمه الله كان أمة في رجل، ذو رؤية ثاقبة، متوشّحاً بالصبر والحكمة (….. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا…..) 269 البقرة.
عميق في تصوره لمستقبل العراق والأمة، عرف غاية الاحتلال وأهدافه قبل وقوعه.
حارث رحمه الله منذ اليوم الأول للاحتلال عد العدة وجهز السرية وسار على خطى جده ضاري المحمود رحمهما الله.
قدر الأمور حق قدرها، وواصل السير بثبات وهمة وعزيمة وصبر الرجال الرجال ورضا بحكم الله سبحانه وتعالى.

جمع حوله الشعب العراقي الرافض للإحتلال بقلبه الواسع المفعم بمحبة الله ثم العراق والعرب والإسلام ، وخاصة الصفوة المدركة لما يدور حولها من مؤمرات وتآمر على العراق والأمة .
أحب حارث الضاري الإنسانية وأحبته،  منطلقاً من قول الله تعالى ( لكم دينكم ولي دين) 6 الكافرون.
إلاّ أنه لم يساوم على بلاده وعقيدته وإنسانيته أبدا، لذلك قال لاآته المشهورة :- لا للمحتل، لا للطائفية، لا للعرقية، لا للتقسيم ولا للتدخل الإقليمي في العراق من أي كان.

تكلم كثيرا عبر الإعلام وفي اجتماعاته الخاصة مع قادة دول وعلماء المسلمين ومسؤولي وقادة أحزاب وعامة الناس عن معاناة شعب العراق نتيجة الاحتلال الأمريكي الفاشي البغيض وأعوانه الإرهابيين الذين جلبهم المحتل الفاشي الهمجي من تسكع شوارع طهران ودمشق وبيروت ولندن وغيرها،  ومن التحق بهم من داخل العراق من أصحاب النفوس الضعيفة والمغموريين الباحثين عن المال والجاه، الذين استصنعهم المحتل.

فحذر الشيخ رحمه الله قادة العرب والمسلمين من مغبة ترك العراق نهباً للذين مكنهم الصهاينة والأمريكان من العراق عن قصد وسبق إصرار.
تحدث الشيخ حارث رحمه الله في بداية الاحتلال عن التغييرات الديموغرافية التي يحدثها الإيرانيون في العراق برعاية صهيونية أمريكية، وتأثيراتها المستقبلية البالغة الضرر على العرب والإسلام، وكل بلاد المسلمين.

وما أفصح عنه فضيلة الشيخ حارث الضاري رحمه الله في بداية الغزو الأمريكي المدعوم إيرانياً بدافع الحقد والإنتقام،  نراه اليوم واقعا ملموسا على أرض العرب في العراق وسورية ولبنان واليمن ولا يعرف أين يتوقف، حمى الله العراق والأمة والإسلام من كيد الكائدين.

كنت أجلس إلى المرحوم الشيخ حارث، فكان سؤاله الأول عن أحوال العراقيين وعموم المسلمين وعلاقتهم بالدول المضيفة حاثّاً على التعاون والاختلاط بتلك الشعوب مع المحافظة على الهوية، ثم نتحدث في هموم العراق والأمة، وكان مستمعاً من الطراز الأول لاتفوته كلمة، ثم يرد بهدوئه المعروف وتوجهاته المعهودة النفع والمصلحة العامة.

نعم الشيخ حارث الضاري رحمه كان أباً وراعياً لكل العراقيين على اختلاف مشاربهم ومقاصدهم، لا يفرق بين مسلم ونصراني ويهودي، ولا بين عربي وكردي وتركماني، ودائما يصر على الوطنية العراقية وعلى العراق الواحد، رافضاً كل أشكال التقسيم رفضاً قاطعاً.

حارث الضاري رحمه الله لم يمنع أي أحد من الاشتغال في دوائر حكومات الاحتلال المتعاقبة ، كما روج ويروج لذلك المتعاونون مع المحتلين،  ولكنه رفض كل أشكال التآمر والتواطؤ مع المحتل وأذنابه  على العراق والامة، حتى وهو على فراش الموت كما علمت من ذويه، ولم يملك شيء لنفسه أو لأسرته وقبيلته.

أبو المثنى رحمه الله صنعته الأسرة في دواوينها وشذبته وصقلته الشريعة الإسلامية في مدارسها وجامعاتها، حيث أكمل البكالوريس في الأزهر، وحصل على ماجستير في التفسير وماجستير في الحديث من الأزهر والدكتوراه في الحديث من الأزهر أيضا.

فاكتسب الحنكة والصدح بقول الحق وإن كان في مجالس الظلمة، ولا يساوم فقد عرضت عليه الدنيا ومنها لقاءات قادة دول الاحتلال فرفضها، إلا بوجود شهود كالأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ووسائل الإعلام.
لله درك أبا المثنى ياجبل العراق الشامخ ويانخله الباسق ويا سهوله ووديانه وصحاريه الشاسعة، ويا مدنه وحضاراته التي علمت الدنيا كيف تكتب وتقرأ وتبني قانوناً ودستوراً وتحكم نفسها وكيف تصنع العجلة لتسير عليها مختصرة المسافات .

بحق إنك علم العراق أبا المثنى، هكذا عشت فينا حياً وميتاً. فتعلمنا منك الكثير رغم جراحات الاحتلال الأمريكي الصفوي البغيض، التي لاتزال تسيل دماً عبيطا.
أبا المثنى جمعت القلوب حياً وميتاً، ولكنك تبقى فينا حياً، كان خبر مماتك زلزالاً هز عقولنا ووجداننا فانهمرت العيون واستعبرت القلوب ولهفت الأنفس وانطلقت الحناجر صارخة بكلمة وشعر ونثر معبرة بصدق، تعزي نفسها قبل أن تعزي شبلك المثنى وأهلك وذويك، ياصاحب القلب الكبير الذي لم يحوِ العراق فقط بل حوى الأمة كل الأمة والإنسانية كل الانسانية.
ولكن هذه إرادة الله ولا راد لقضاءه وقدره، ولا نقول إلاّ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة ولده إبراهيم (إن العين لتدمع وان القلب ليحزن وإنا لمحزونون لفراقك يا حارث الضاري….)

فإلى جنة الخلد أبا المثنى، زرعت في الدنيا وستحصد ثواب الآخرة في الفردوس الأعلى من الجنة بإذن الله.
(….ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) 71 الأحزاب.

Similar Posts