الأخبار تصدق من حيث لا تدري
فاتح عبدالسلام
| الأخبار من غير قصد معدّيها أو منتجيها تقول كل شيء وتفصح بالقلم العريض عن سياسات الحكومات ومواقف السياسيين ونيات البشر أحياناً حتى لو كانت تتحدث في أحداث وقضايا تبدو بعيدة عن ذلك الإفصاح. |
|
نعرف أن الأخبار تكذب وتزور الحقيقة أحياناً بفعل فاعل أو بفعل مفعول به، لكنها عبر زلات اللسان تقول الحقائق الثمينة التي تضيء الواقع المظلم الذي يطبق على الإنسان غالباً في بلداننا المتعبة. في العراق مثلاً، منذ سنوات وليس منذ وصول الحجة الداعشية الإنقاذية الكبرى، هناك دائماً حديث عن نزوح كثيف لسكان من مدن وقرى ولجوئهم إلى مدارس وهياكل مدارس للسكن فيها، حيث أول ما يفكر به النازح أو الجهة الرسمية لإيواء النازحين والمشردين هو البحث عن مدرسة تصلح أن تكون مأوى، لكن قلّما نسمع عن خطط وتنفيذ لبناء مدارس. ومنذ شهور نسمع عن وصول القتال إلى شارع المستشفى أو خلف المستشفى أو عمليات قصف مستشفى أو تحرير واستعادة مستشفى في الأنبار أو الموصل أو تكريت أو ديالى لكن لم نسمع يوماً كلاماً ولو عابراً عن بناء مشاف جديدة غير التي بناها العراقيون قبل ثلاثين وأربعين وخمسين عاماً. نسمع عن مصانع معطلة أصبحت ورشاً أو سكناً عشوائياً أو مقرات لمليشيات لكن لا يرد في الأخبار وهي تقول الحقائق أن مصنعاً جديداً للسكر غير المصنعين اللذين يرزحان تحت نير الإهمال في الموصل والعمارة قد جرى التعاقد الخارجي لبنائه عبر موازنات عشر سنوات ماضية. حتى السجون التي هي دور إصلاح في كل أنحاء العالم باتت في بلدنا، إما سرية من يدخلها مفقود ومَن يئوم زيارة معتقل فيها عليه الدفع مقدماً لأشباح يوصلونه إلى قريبه المعتقل ليراه لدقائق، أو تكون سجوناً علنية لكن مَن يدخلها يصنف أنه منتظر أجله الذي يكون أكثر قرباً من محاكمة عادلة تستند إلى أدلة وبراهين وليس إلى تخمينات من خلال الاسم والهوية واسم المدينة وتصنيف الطائفة والعشيرة. والعراقيون يعرفون أكثر من سواهم في الأرض منذ خلقها الله حتى يرثها معنى الاعترافات تحت القوة. دائماً يسمع العراقي عن مسميات تشغل باله كثيراً، لكنها في غير محلها الطبيعي ، فالمدرسة ملجأ للمشردين وما أكثرهم في عراق اليوم والمصنع حديد خردة يأكله الصدأ والمستشفى وكر ثان لمليشيا تكدس جرحاها فيه كأنها ثكنة. والملعب، وما أفقر ملاعب العراق الرياضية ،صار نهباً لسرفات الدبابات وعجلات الزيل العسكرية الثقيلة تحت لواء التعبئة. بعد كلّ ذلك الاضطراب في المعاني والمباني، يريدون من المواطنين أن يظلوا، بعد اثنتي عشرة سنة، يصدقون مصطلحات وشعارات ووعود العدالة والتنمية ودولة القانون وصولة الحق ومحاربة الفساد وبناء الأوطان. |