الشيخ الضاري … صوت الحق الذي لا يزال حاضرًا

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعتز الشعوب الحرة بدرر ماضيها التليد وتستذكر محطات كبيرة ووقائع مؤثرة وشخوص رسمت معالم مستقبل بلادها وحققت عنفوان وذروة الانتماء الحقيقي لوطنها ودفاعها عن وجوده وديمومة حضوره ومستقبل أجيالها وصولا إلى غايتها في الحياة الحرة الكريمة وتدعيم أواصر الوحدة الوطنية ودعم وإسناد حقوق الشعب الثائر في تطلعاته وإيمانه بقضيته العادلة نحو الاستقلال والحرية التامة.

إن ديمومة واستمرار وفعالية الجهد اليومي المثابر لجميع شرائح المجتمع المتواجدة والفعالية الداعية إلى وحدة الصف الوطني وتدعيم الجبهة الداخلية لتكون سندا وعونا للجماهير المنتفضة هي الأداة المستندة إلى أصالة وجذور وحيوية الشعب العراقي الذي عرف بحبه وتضحيته ووفائه لمبادئه وأهدافه والمدافع عن حياض الوطن وآماله في الحياة الحرة الكريمة وفي الإعلان عن البداية الحقيقية لعودة بلده وشعبه إلى حاضنته الوطنية وتأثيره العربي والإقليمي والإنساني بما يحقق وجودًا حيويًا وفاعلًا يعيد للعراق وهجه وتألقه وريادته الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

نحن أمام انعطافة تاريخية من حياة الشعب العراقي تصنعها الإرادة الجماهيرية وتعززها روح الوعي والإقدام وتساندها المشاعر الوجدانية التي تعتلي النفوس وتسكن الصدور في صورة رائعة تمثل ألوان الطيف العراقي بكل شرائحه المجتمعية وانتماءاته القومية والدينية وصولا إلى مجتمع حضاري تسوده الألفة والمحبة ولا تنازعه أدوات الشر والعدوان والبغضاء والطائفية المقيتة التي أرادها الاحتلال الأمريكي وسعى إليها النظام الإيراني ونفذتها أدواته الخبيثة من وكلائه وأذرعه في داخل البلاد.

وهذا لا يتحقق إلا بوجود فكر وضاء ومبادئ سامية وأهداف غالية وقيم وأصالة يتبناها ويؤمن بها المجاهدون المكافحون من أجل رفعة شعبهم وسيادة واستقلال بلدانهم وحماية حقوقهم والإيمان الراسخ بعدالة قضيتهم وتطلع أبناء وطنهم نحو الحرية والعدالة وتحقيق المساواة الاجتماعية. تمنح الأمة أبناءها رموزًا حية لها وتقدمها هدية زاهية تحمل في طياتها رونقًا وبهاء الشخصية القيادية ونبع وأصالة انتمائها وضياء وجودها والدافع الحقيقي لاحتضانها واستمرار وهج عطائها، لأنها تشكل الأمل المنشود والهدف الأسمى في تحقيق أمل الجماهير المكافحة من أجل حريتها واستعادة كرامتها وحفظ حقوقها والنضال من أجل وجودها واحترام إرادتها وصون تاريخها وتعزيز مكانتها بين الشعوب والأمم الحرة، هذه الشخصية القيادية لها سماتها من الحكمة والرزانة ورجاحة الفكر والمبادئ والقيم العليا وحسن الإدارة والتدبير والعطاء والتضحية التي تشكل عنصرا رئيسيا في مفهوم قيادتها للأحداث وكيفية معالجة الأزمات وإيجاد الحلول الجذرية لحماية المجتمع وسيادة القانون واحترام إرادة الإنسان المكافح المجاهد من أجل بلده وحريته.

وأمام هذه المنعطفات التاريخية والوقائع الميدانية والأحداث الجسيمة والمواقف الوطنية نقف لنستذكر وبكل إجلال وإكبار الذكرى الثامنة لرحيل شيخ المجاهدين ورمز المقاومة العراقية الوطنية فضيلة الدكتور الشيخ حارث الضاري رحمه الله بعد أن ودع أحباءه وأبناءه وشعبه في الثاني عشر من شهر آذار ٢٠١٥ وهو في أوج عطائه وثباته وإيمانه الكبير بقدرة شعبه على تحقيق النصر المؤزر على أدوات وأذناب الاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني وتطهير الأرض العراقية من رجس أعداء الوطن والأمة بعد أن أسس لركائز مهمة وثوابت رصينة لمفهوم الكفاح الوطني والنضال الشعبي والكلمة الحرة الأصيلة وقول الحق والجهاد في سبيل تحقيق الغايات العليا والأهداف السامية والدفاع عن حرية العراق ومواجهة الخونة والعملاء .

هي محطات للعمل الوطني والكفاح اليومي لها دلالاتها وكبير معانيها وعميق انتمائها لرمز من رموز العراق عانى وجاهد وضحى من أجل تحرير بلاده وشموخ شعبه وعزة وكرامة أجياله، قارع العدوان والاحتلال الأمريكي البغيض ووقف مجاهدًا مقاتلًا امينًا واثقًا بنصر الله تعالى وبالكلمة الصادقة والموقف الثابت المبدئي الذي لا تغيره ظروف ولا تنال منه المواقف مهما زادت تحدياتها، كان ثابتًا على القيم والمبادئ العربية والإسلامية، شامخًا صلبًا أمام مخططات الأعداء وسدًا منيعًا أمام التخرصات التي أرادت النيل من جهاده ومواقفه الإيمانية المساندة إلى مبدأ ديننا الحنيف ورسالته السمحاء.

عانى هموم الوطن والأمة وتحمل ما لا تتحمله الجبال فكان شامخا أبيًا كريمًا متواضعًا وقورًا صبورًا وضاءً مخلصًا مجاهدًا تشهد له ميادين المواجهة مع الأعداء وعبر الندوات والمؤتمرات، كان صوتًا للحق مدافعًا عن شعبه وقضيته متمسكا بدينه ومبادئه، مقتدرًا متمكنًا عالمًا خطف العقول والأبصار ببصيرته وذكائه ومواقفه، ولعب دورًا أساسيًا في الكفاح والنضال والجهاد من أجل قضية شعبه وأمته.

رحم الله الشيخ الجليل والمجاهد الأصيل والإنسان الكبير وأسكنه الله في جنات النعيم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

Similar Posts