“التخصص” ومنهجية العلم الشامل
بقلم : مريم عز الدين
“التخصص” يتداول هذا المصطلح في السنوات الأخيرة في كل مكان أثناء التقدم للحصول على وظيفة، في سياق الحديث عن وظائف المستقبل، على ألسنة من يُسمون “متحدثون تحفيزيون” بل حتى في أوساط الشباب من طلبة الجامعات أو طلبة الثانوية، ورغم أن الحديث عن هذا المصطلح صحي نوعًا ما من جهة أن يكون الطالب أو الشاب يخطط لمستقبله وفقًا لحاجة السوق وقدراته العلمية؛ فإن الإفراط في تضخيم أهميته جعلت منه سجنًا يحتجز فيه هذا المكون الجبار الذي منح للإنسان- العقل – ويحجم من القدرة والموهبة التي أودعت في كل شاب من هؤلاء.
إذن فنحن أمام منهجية تهدف إلى تحجيم العقول والقدرات وتضع كل متخصص مع تخصصه بمعزل عن كل ما لا ينتمي لذاك التخصص.
إن الضرر الذي لربما يصيب المجتمع جراء هذه المنهجية في المستقبل القريب بل وبدأ فعليًا بالظهور؛ هو تفكك بين أنوية المجتمع الرئيسية، إضافة إلى تزايد – بل تضخم – الشعور بالتميز وهو ما يصنع أفرادًا يظنون أنهم الوحيدون على الكوكب بهذه الميزات، أما الأولى فلأن المهندس المنغمس في تخصصه ولا يتعلم أي معرفة تخرج به خارج الهندسة سيكون بعيدًا عن مشاكل مجتمعه مبتعدًا بالضرورة عن هموم أمته ناهيك عن جهله بأبسط أمور دينه من عبادات وأحكام، والثانية فإن مانراه من اعتداد بالآراء والجهل بأبسط قواعد النقاش البناء والرفض القاطع لأي وجهة نظر مخالفة ماهي إلا صورة بينة واضحة لمصنع النرجسية الذي يتضخم في مجتمعاتنا كل يوم.
ولو نظرنا إلى الشريعة الإسلامية لوجدنا بكل سهولة ويسر وبمنتهى الوضوح أنها نبهت المسلمين في أكثر من نص – وإن كان ليس بكل صراحة – على ترك هذا السلوك، فلو تدبرت النصوص التي تحث على العلم والتعلم تجد أنها تحث على التعلم بصورة شاملة فمنذ خلق آدم نبأنا القرآن العظيم على أن تكريمه جاء من تعلمه الأسماء كلها، قال تعالى: ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْـمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْـمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْـمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْـحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَـمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْـمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” . [البقرة:
نزول جبريل عليه السلام لأوَّل مرَّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين أن دين (الإسلام) دينٌ يقوم على العلم ويرفض الضلالات والأوهام جملةً وتفصيلاً؛ حيث نزل الوحي أوَّل ما نزل بخمس آيات تتحدَّث حول قضية واحدة تقريبًا، وهي قضية العلم، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} العلق: 1-5].
ثم إن القصة الشهيرة التي يقرأها المسلمون كل جمعة في سورة الكهف قصة موسى عليه السلام تتناول العلم بأسلوب التنكير ومن المعروف أن النكرة في لغة العرب تفيد العموم حيث قال تعالى: “فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ” [الكهف: 65- 66]، هذا وإن أحاديث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم جاءت على نسق مشابه حيث قال صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقا إلى الجنة “أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: “الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ: ذِكْرَ اللهِ وَمَا وَالاَهُ، أَوْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا” رواه الترمذي .
كل هذه النصوص تحث المسلم على طلب العلم وتعظم من شأنه دون التطرق إلى تخصص نوع من العلم دون آخر، فإذا أردت تطبيقًا عمليًا للنصوص فلا أوضح ولا أثبت من حال صحابة رسول الله رضوان الله عليهم ممن فهموا القرآن كما لم نفهمه وعملوا به كما لم نفعل ما كانوا إلا أوعية علم في مجالات عدة تجدهم حفظة للقرآن وفقهاء ورجال حرب وسياسة وفي الوقت ذاته لهم تجارتهم أو مهنتهم الخاصة، فهذا عثمان بن عفان رضوان الله عليه كان غنياً شريفاً في الجاهلية، ومن أحكم قريش عقلاً وأفضلهم رأياً، كما أنه قد كان على علم بمعارف العرب في الجاهلية من الأنساب والأمثال وأخبار الأيام، وقد رحل إلى الشام والحبشة، وعاشر أقواماً غير العرب فعرف من أحوالهم وأطوارهم ما ليس يعرفه غيره من قومه، أسلم فقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان ثالث الخلفاء الراشدين فتولى أمر المسلمين فكان رجل سياسة وصاحب حكمة وهو في الوقت ذاته حافظًا للقرآن ممن عرضوا القرآن كاملًا على النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه كثيرون وهو فقيه فطن له آراء فقهية نقلت عنه، وكذا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه والخلفاء الأربعة وكل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاننكر أن لكل منهم تميزًا في مجال دون الأخر لكن لم تكن آفة التخصص قد تسربت إلى المجتمع المسلم بعد، ولو تتبعت سير العلماء المسلمين تجدهم على هذه الصورة قرونًا علماء موسوعيين يتميزون بحقل ويبرعون فيه دون آخر لكنهم ينهلون من كل الحقول ما استطاعوا ويوظفون ما نهلوا في توثيق عرى مجتمعاتهم تحت مظلة الإسلام الكبيرة.
فهذا ابن النفيس الذي عاش في القرن السادس الهجري قد درس الفقه الشافعي، كما كتب العديد من الأعمال في الفلسفة، وكان مهتمًّا بالتفسير العقلاني للوحي، وخلافًا لبعض معاصريه والسلف، اعتمد ابن النفيس على العقل في تفسير نصوص القرآن والحديث كما درس اللغة والمنطق والأدب، وهو في الوقت ذاته كما هو معروف مكتشف الدورة الدموية!
بعد هذا التطواف السريع يتبين لنا أن فكرة التخصص الدقيق أو التخصص الواحد ماهي إلا خدعة من خدع هذا الزمان تجعل شبابنا وأبناءنا يدورون في فلك واحد مما يقنن قدراتهم ويحجم إنجازاتهم، يقول أبو حامد الغزالي بالإشارة إلى ضرورة عدم إفناء العمر في فن واحد: ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلبًا للاستقصاء فإن العلم كثير والعمر قصير.
هذا وقد اتفق العقلاء قديمًا وحديثًا على أن العلوم مترابطة فيما بينها يعضد أحدها الآخر ويكمل بعضها بعضًا فلا ضير من الاستزادة، مادام العمر وما استمر العقل فنحن بحاجة لتعلم شيء جديد لا في تخصصنا فحسب بل في كل علم جديد أو قديم.
هذه الأمة لاتحتاج إلى علماء متخصصين تخصصات دقيقة فحسب بل هي بأمس الحاجة إلى علماء يفهمون شمولية العلم الذي حث عليه الإسلام ويستوعبون تكامل العلوم في ظله، تحتاج إلى مهندسين يحملون هم عمار الأرض وليس استثمار قطعة أرض، وأطباء يستشفى بعلمهم لا تجارًا بروب أبيض، وهي في الوقت ذاته بأمس الحاجة ليكون كل فرد فيها داعية إلى الله بسلوكه وعمله وعلمه أيًا كان مجال تخصصه، وهذا لا يتأتى إلا بالعلم بمفهومه الشامل الواسع الذي عاش به الصحابة والتابعون والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.